"وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ".. أما أنتم فلتنظروا في أعمالكم، ولتنظروا في قلوبكم، لتروا مدى إخلاصكم الحقيقي لله، الذي تزعمون أنه إلهكم وحدكم دون بقية العالمين!
"أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى".
تلك دعوى كل فريق، التي يحاول بها أن"يستحوذ"على هذا الفريق من الأنبياء ليزعم أن العهد ماض فيه وحده!
"قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ".
والله يقول إن هؤلاء لم يكونوا هودًا ولا نصارى، فإنما جاء اليهود من بعد، والنصارى من بعد، فكيف كان السابقون هودًا أو نصارى، قبل أن يوجد اليهود ويوجد النصارى؟
"وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ".. والشهادة عندهم من الله أن هؤلاء جميعًا أنبياء ورسل أمر اليهود والنصارى أن يؤمنوا بهم، ثم أن يؤمنوا بكل من جاء مصدقًا لدعوتهم:"وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ" [1] .
وهذه هي الشهادة التي يكتمونها لأنها تلزمهم بالإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم- وهم لا يريدون .."حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ" [2] .
وهنا يجيء التهديد:
"وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ".
ثم يختتم السياق مرة أخرى بصيغة المفاصلة التي تفصل بين الأمتين، وتعلن انتهاء عهد الأمة الأولى ليبدأ عهد الأمة الثانية:
"تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ".
يمضي السياق من هنا إلى نهاية السورة ينظم للمسلمين حياتهم الجديدة في المدينة، فيحدثهم في سياق متصل عن تحويل القبلة وموقف اليهود من هذا الأمر، وعن المشركين الذي يرفضون الإيمان. وعن المعنى الحقيقي"للبر"الذي هو حقيقة الإيمان. وعن القصاص. وعن الوصية. وعن الصيام. وعن الحج. وعن القتال في سبيل الله. ويرد على تساؤلاتهم بشأن الخمر والميسر، وبشأن ما يجب عليهم في الإنفاق، وبشأن اليتامى، وبشأن المحيض. ثم يتحدث عن الإيمان، ويمين الإيلاء، وعن الطلاق في بيان مفصل مستفيض، وعن الإنفاق في سبيل الله، وعن الربا، وعن الدَّيْن والتجارة والشهادة في الدين والشهادة في البيع والشراء .. ثم يختتم السورة بتقرير صورة الإيمان الذي آمنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون، وبالدعاء أن يعفى هذه الأمة مما وقع فيه من قبلها جزاء ما وقع منهم من انحراف ..
جولة طويلة جدًا، وموضوعات شتى .. ولكنها يربطها كلها ذلك الرباط المحكم .. أنها معالم الطريق الذي تسير فيه الأمة الجديدة لتقوم برسالتها الضخمة في إقامة الخلافة الراشدة في الأرض ..
(1) سورة آل عمران: 81.
(2) سورة البقرة: 109.