إن أمارة الحب الحقيقية هي هذه! .. اتبعوني! فالحب ليس دعوى تقال باللسان، إنما ينبغي أن يصحبها عمل دال عليها، وينبغي ألا يصحبها عمل مضاد لها! وأنتم تزعمون أنكم تحبون الله .. فإن كان كذلك فاتبعوني. فهذه هي علامة الحب الحقيقي؛ وحين ذلك سيحبكم الله ..
".. فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".
إن الله -سبحانه- واسع المغفرة .. إنه يبذلها بذلًا لمن يتبعون طريقه .. فيغفر لهم عثراتهم في أثناء الطريق .. وهو يحبب الناس في مغفرته، ويدعوهم أن يتعرضوا لها بأن يتبعوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويطيعوه:
"قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ".
هكذا باختصار حاسم قوي تلخّص قضية الإيمان كلها ..
إن الإيمان ليس مجرد دعوى .. ولن يكون. إنما هو الطاعة لله والرسول. وللطاعة دلالتها وطرائقها .. فإن تولوا عن طاعة الله ورسوله، فألف دعوى من دعاواهم لا تعطيهم صفة الإيمان ولا الإسلام ..
"فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ"..
الآن وقد أخذ جولة مع اليهود وأوليائهم من المنافقين، يأخذ جولة أخرى مع النصارى، ليست منقطعة الصلة عن بني إسرائيل. فإن عيسى عليه السلام قد بعث أصلًا إلى بني إسرائيل، فلما أحس منهم الكفر قال: من أنصاري إلى الله، فاتبعه الحواريون وقالوا نحن أنصار الله فصاروا هم وأتباعهم هم النصارى ..
ومن ثم يأتي بقصة عيسى -عليه السلام- وصلة بين بني إسرائيل والنصارى .. كما يأتي بالقصة لأنها هي موضع فتنة النصارى إذ ألهوا عيسى -عليه السلام- لأنه ولد من غير أب .. فلذلك يروي القصة من أولها، وعلى حقيقتها، ليبين للنصارى موضع فتنتهم، وأنهم مضوا فيها على غير الحق .. وذلك كله بمناسبة مجيء وفد نجران من النصارى لمحاجة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أمر عيسى عليه السلام.