الصفحة 244 من 379

"قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ..".

استمرار في التحذير ..

"قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ".

فلا تحسبوا أنكم تستطيعون أن تخفوا عن الله شيئًا مما تخفونه عن الناس أو تبدونه. والحديث متصل حول النقطة ذاتها، وهي اتخاذ الكافرين أولياء .. مما يشعر بأهميتها البالغة .. وما من شك في أهميتها القصوى في حياة المسلمين. فما أُتيَ المسلمون في نكباتهم الكبرى إلا من هذا الباب .. كذلك كانت نكبتهم الكبرى في الأندلس، حين اتخذ المؤمنون الكافرين من الصليبيين أولياء من دون إخوانهم المؤمنين، وتحالفوا معهم ضد بعضهم البعض فوقعت النكبة الأليمة .. وكذلك كانت نكبتهم الثانية في فلسطين، التي مهد لها من الأصل اتخاذ المؤمنين الكافرين من الصليبيين المحدثين أولياء من دون إخوانهم المؤمنين إذ تحالفوا معهم ضد الدولة المسلمة فسقطوا وسقطت وذهبت فلسطين ..

من أجل ذلك يشدد السياق جدًا في التحذير ..

"قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ".

فعلمه ليس مقصورًا على ما في صدوركم مما تخفونه أو تبدون. ولكنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا، فأين تهربون منه؟

"وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"..

فهو يحاسبكم -بقدرته التي لا تحد- ويجزيكم الجزاء الذي يوافق أعمالكم.

"يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ..".

في ذلك اليوم الذي تُحْضَر فيه الأعمال كلها خيرها وشرها .. فأما الخير فأهلًا به .. وأما السوء فتود كل نفس لو يُبْعَدُ عنها ويُخْفى فلا يطلع عليه أحد، ولا يوضع في الميزان .. ولكن هيهات أن تفر منه أو يُبْعَد عنها .. إنه ملازم لها حتى يتم الحساب والجزاء ..

"وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ".

مرة ثانية يجيء التحذير على تلك الكبيرة المنكرة .. التي حرك لها القلب من قبل بذلك الدعاء الخاشع، ويحرك لها القلب الآن بالتحذير ..

ولكن التحذير الثاني يبدو غريبًا لأول وهلة .. إذ تصحبه هذه العبارة:"وَاللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ"..

كيف يكون تحذيرًا .. ثم تكون رأفة؟

بل! إن التحذير من الرأفة! فالله سبحانه وتعالى لا يأخذ الناس ولا يجازيهم قبل أن يعظهم ويبين لهم. ومن رأفته بهم يعطيهم ذلك التحذير، ليتجنبوا الوقوع في المحظور!

"قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ".

إنه الإعلان الأخير للذين يقعون في هذه الكبيرة .. الذين يزعمون في ذات الوقت -هم وأولياؤهم من اليهود- أنهم يحبون الله!

"قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت