فمن تطلع إلى الرزق .. والرزق ليس كله مالًا ولا طعامًا ولا كساء .. فالملك رزق، والعز رزق .. فمن تطلع إلى شيء من هذا كله فليتوجه بتطلعه إلى الله .. ولا يتوجه لأحد سواه ..
لعلنا. الآن فهمنا، أو أحسسنا بالصلة بين هذا الدعاء الخاشع الذي يملك أقطار النفس، وبين ما يجيء بعده!
"لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ".
إن الدعاء يوجه القلب البشري للارتباط بالله، لا يطلب العزة من أحد سواه ..
والآن يقول السياق للمؤمنين: لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين تبغون عندهم العزة .. فالعزة عند الله، ويمنحها الله، ولا يمنحها أحد سواه!
هل تبينت الآن صلة السياق؟!
إن المنافقين كانوا يلجئون إلى اليهود، يقولون نبتغي عندهم العزة .. وكان عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين يبرر بذلك اتصالاته مع اليهود. فالسياق يحذر المؤمنين أن يصنعوا ذلك الذي يصنعه المنافقون. ويقدم لهذا التوجيه بذلك الدعاء الخاشع المؤثر الأخاذ .. فإذا جاء التوجيه جاء والقلب ينبض بهذا المعنى بحرارة، والوجدان ينفعل به والمشاعر تتحرك، فيكون ذلك أدعى إلى الاستجابة من مجيء التوجيه يغير هذه التقدمة الحية النابضة المنفعلة المتأثرة ..
وهكذا صارت التوجيهات العقيدية في السور المدنية لا تجيء لتأسيس العقيدة -فقد تأسست وتوطدت- إنما تجيء- بجانب التذكير- لينبثق منها توجيهات سياسية واقتصادية واجتماعية، وتقام عليها تنظيمات في كل هذا الجوانب، فتكون أرسخ وأثبت، وتكون أدوم وأبقى ..
ولكن السياق لا يقول: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون الله! بل يقول:"لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ"..
ولا تعارض بين المعنيين!
فإن الله يمنح العزة من عنده للمؤمنين، حين يكون ولاؤهم بعضهم لبعض، وصفّهم متماسكًا، وقلوبهم مترابطة .. فحين يتخذ المؤمنون المؤمنين أولياء، فذلك مما يؤهلهم للعزة الربانية، والله يقول:"وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ" [1] أما حين يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين فإنهم لا يستحقون بذلك اللعزة الربانية التي يمنحها للمؤمنين المستقيمين على أمره ..
".. إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً".
فعندئذ يمكن أن تصنعوا ما تتقون به شرهم، حاشا ولاء القلب، وحاشا كشف أسرار المسلمين لهم، وحاشا التناصر معهم ضد المؤمنين! فهذه ليست تقية إنما ولاء .. وليست تمرير أزمة إنما ميل ومحبة!
ولأن هذا الباب -باب التقاة- يمكن أن ينفذ منه الشيطان بسهولة يزين للضعفاء ومرضى القلوب أن يركنوا إلى أعداء الله قال بعدها مباشرة:
"وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ".
يحذركم في الدنيا أن تتخذوا هذا الباب تكأة، وتستسهلوا هذه الكبيرة -وهي موالاة أعداء الله- وينذركم أن إليه المصير، فيجازيكم على ما فعلتم في الدنيا، فلا تحسبوا أن ترتكبوا هذه الكبيرة في الأرض -مخادعين أنفسكم أو مخادعين الناس- ثم تنجوا من عذاب الله في الآخرة.
(1) سورة المنافقون: 8.