ولا ينفي ذلك أن توجد الأسباب، ولا ينفي أن تكون لله سنن يجريها في الأرض ويجري بها الأحداث، ولا ينفي أن الله سبحانه -رحمة منه بعباده- قد بيّن لهم هذه السنن وحثهم على تدبرها لكيلا يقعوا في حتميتها التي لا تحابي أحدًا ولا تتخلف من أجل أحد .. كل هذا وارد وموجود .. ولكن يبقى بعد ذلك أن المرجع الأول والأخير في أحداث الكون كلها هو إرادة الله ومشيئته .. ولا يحدث في الكون إلا ما يريده الله ..
وحين يربط القرآن القلب البشري بمالك الملك على هذه الصورة، ومن هذا الوتر الحساس الشديد التأثر، فإنما يوجهه أن يتطلع إلى الله وحده .. لا إلى أي قوة في السماوات والأرض غير الله .. لذلك يبدأ بهذا النداء:"قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ..."فهذا هو الذي ينادَى، وهذا الذي يدعى، وهذا الذي تتطلع القلوب إليه لا إلى سواه .. لأنه هو الذي يؤتي الملك وينزعه وهو الذي يعز ويذل .. فمن شاء شيئًا من هذا لنفسه أو لغيره، [العزة لنفسه والذل لعدوه] فليتطلع إلى مالك الملك وحده دون سواه ..
وليس معنى هذا ألا يأخذ بالأسباب!
هذه قضية مختلفة تماما الاختلاف .. ولن يكون عاملًا بأمر الله إن لم يأخذ بالأسباب، لأن الله هو الذي يأمره بذلك:"وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ .." [1] .
إنما المقصود فقط هو ألا يركن لغير الله، ولا يتطلع لغير الله .. لأن أحدً غير الله لا يصنع الأحداث، أو يؤتي الملك أو ينزع الملك أو يعطي العزة أو يعطي الذل .. فيعمل، ويأخذ بالأسباب كما أمره الله، ثم يتطلع إلى الله وحده ولا يتطلع إلى سواه ..
".. بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
فمن أراد الخير، من أي أنواع الخير، فليتوجه إلى الذي هو على كل شيء قدير .. لأنه هو وحده سبحانه الذي يملك أن يعطي الخير المطلوب ...
"تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ".
إنها آيات القدرة الربانية .. فهو مالك الملك الذي يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء .. وهو القادر الذي ترى قدرته في إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، وإخراج الحي من الميت كما يخرج النبات من البذرة التي لا قدرة لها على النمو والحركة، وإخراج الميت من الحي في حالة موت الكائن الحي فتموت خلاياه كلها ومكوناته الحية، وبسط الرزق لمن يشاء كما يشاء ..
نعم إنها آيات القدرة، يمر الحس عليها متبلدًا بتأثير الإلف والعادة فلا يتدبر هذه الآيات ولا يعطيها دلالتها الحقة، فيلفته السياق إليها، ليتلقى شحنتها الكاملة ويدرك دلالتها ..
ولكن .. إنها آيات مختارة في هذا الموضع بالذات!
فحركة الليل والنهار هي ذاتها حركة الأحداث! وهي التي تستوعب في داخلها الملك الذي يأتي والملك الذي يروح، والعز الذي يأتي والعز الذي يروح! فهي ليست مجرد آية من آيات القدرة، ولكنها الآية الشديدة الارتباط بحبل الأحداث، الذي تمسك به يد القدرة الإلهية، فتحرك به الأحداث في أثناء ولوج الليل في النهار وولوج النهار في الليل .. أما خروج الحي من الميت وخروج الميت من الحي فهو خط مواز كذلك ومقارب لخروج العز من الذل وخروج الذل من العز، وذهاب الملك ومجيئه .. فالصورة كلها متلاحمة الأجزاء متناسقة الخطوط والألوان ..
".. وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ".
(1) سورة الأنفال: 60.