الصفحة 241 من 379

آيتان من آيات العقيدة تأتيان في وسط السياق كأنما تقطعانه! فقبلها كان يتحدث عن اليهود، ويجيء من بعد:"لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً .."فما الصلة بين ما قبل وما بعد، وما صلة الآيتين المعترضتين بهذا وذاك؟!

الحقيقة أن هناك صلة عميقة جدًا، وأن السياق مستمر بغير فاصل على الإطلاق، كما سنتبين من شرح الآيتين ..

إن الآيتين دعاء في صورة تقرير واقع، أو -إن شئت- تقرير واقع في صورة دعاء!

"قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء ..".

إنه دعاء لأنه مصدر بكلمة"اللهم"وهي نداء لله سبحانه وتعالى. ولكن الآيتين بعد ذلك لا تحملان دعاء مباشرًا، إنما تحملان دعاء متضمنًا خلال تقرير هذا الواقع الرباني: أن الله سبحانه وتعالى هو مالك الملك، الذي يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، والذي بيده الخير وهو على كل شيء قدير، والذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويرزق من يشاء بغير حساب .. كأنما يقول: يا الله الذي تملك كل هذا وتملكه وحدك دون شريك .. آتنا الملك ولا تنزعه منا، وأعزنا ولا تذلنا، وآتنا مما بيدك من الخير، وارزقنا بغير حساب ..

وهذا الدعاء -بهذه الصورة التي تقرر حقيقة ربانية- يأتي بعد وصف حال اليهود، ووصف أعمالهم التي استوجبت سحب العهد والاستخلاف منهم، فكأنما الدعاء يقول: يا رب، يا من نزعت الملك من اليهود جزاء على ما فعلوه، وأذللتهم في الأرض، وآتيتنا العهد ومكنت لنا في الأرض، اللهم لا تنزع العهد والتمكين منا، وأعزنا بعزتك إنك على كل شيء قدير ..

وهذه هي الصلة الوثيقة بين هذا الدعاء الخاشع وبين السياق قبله ..

ولنا وقفات مع هذا الدعاء قبل أن ننتقل منه إلى ما بعده، ونبين صلته بما بعده ..

إنه دعاء خاشع جدًا لا يملك الإنسان أن يمر به دون أن يخشع قلبه لجلال الله وعظمته، سبحانه المعز المذل ..

إن عملية الملك والعزة في الأرض، وانتقالها من يد إلى يد، من أكبر الأمور إثارة للاهتمام في حياة البشر .. وهم يتابعونها متابعة تكاد تكون يومية .. فينظرون كل يوم في ميزان القوى: هل تغير أم هو على ما كان عليه بالأمس. ومن أشد الأمور تأثيرًا في نفوس الناس وهزًا لمشاعرهم أن يصحوا فإذا ملك قد زال، وتأسس ملك غيره، وعزة قد هوت فانتقلت إلى ذل، وقام مكانها عزٌّ غيره ..

وعلى هذا الوتر الحساس، الشديد التأثر، يوقع القرآن هذا الدعاء الخاشع الذي يمس اهتمامات البشرية وتأثراتها مسًا مباشرًا:

"قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءوَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء ..".

فتربط القلب البشري ربطًا بمالك الملك، الذي هو الصانع لهذه الأحداث كلها، الفعال لما يريد .. وهذا البدء:"مَالِكَ الْمُلْكِ"تذكر القلب البشري -إن كان نسي، وكثيرًا ما ينسى- بالقوة الحقيقية التي تحرك الأحداث في حياة الناس. إن الأحداث لا تحدث من تلقاء ذاتها، ولا للأسباب الظاهرة التي يكل الناس إليها في غفلتهم تفسير الأحداث وحركتها .. إنما تحدث بإرادة من مالك الملك، الفعال لما يريد ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت