الصفحة 240 من 379

فأما بعد ما أنزل القرآن وتم كتاب الله المنزل، فقد أصبح القرآن هو"كِتَابِ اللّهِ"، لأنه هو المصدق لما نزل من الكتاب والمهيمن عليه كما قال في سورة المائدة:"وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ" [1] وأصبحت التوراة"نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ".

ثم إن الإنسان ليلمح معنى معينًا في تسمية ما عند اليهود"نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ".. ذلك أن اليهود شديدو الاعتزاز بما في يدهم من التوارة -بصرف النظر عن تحريفها- فكأنما يريد السياق أن يطامن من اعتزازهم الباطل هذا، حيث يزعمون أنهم هم وحدهم الأمة ذات الكتاب في كل الأرض .. ويسمون غيرهم"الأميين"أو"الأمميين".. فيقول لهم إن ما في أيديهم ليس إلا"نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ"! إنما الكتاب"الكامل الشامل هو هذا القرآن الذي يُذعَوْن إليه ليحكم بينهم فيعرضون .."

ولماذا يعرضون؟! إنه سبب ساذج مضحك، ولكن كم من المضحكات الساذجة يدخل في كيان الأمم ويصبح جزءًا من مكوناتها!

"ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ".

إنهم شعب الله المختار .. المدلل .. الذي ليس في الأرض أمة ذات كتاب غيره! ومن ثم فإن لهم أن يكفروا بآيات الله، ويقتلوا النبيين بغير حق، ويقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، ويكذبوا أنبياء الله، ويرفضوا الدخول في الإسلام .. ثم لا ينالهم على ذلك كله إلا أن تمسهم النار أيامًا معدودات!! يخرجون بعدها ليرثوا النعيم الخالد الذي لا يزول!

وهي سذاجة مضحكة ولا شك .. فإن الله قد قرر أن من يكفر به وبرسله، ويريد أن يفرق بينه وبين رسله، أو بينهم بعضهم وبعض، فجزاؤه جهنم خالدًا فيها:"إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا" [2] .

وهبها أيامًا معدودات كما يزعمون! من ذا الذي يعرض نفسه -عامدًا- لأيام معدودات من النار والغمسة الواحدة في النار تنسي الإنسان كل نعيم الأرض؟!:"يؤتى بأشد أهل الأرض شقاء يوم القيامة فيغمس غمسة في النعيم ثم يقال له: هل رأيت شقاء قط؟ يقول: لا يا رب! ويؤتى بأشد أهل الأرض نعيمًا يوم القيامة فيغمس غمسة في النار ثم يقال له: هل رأيت نعيمًا قط: يقول: لا يارب!" [3] أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فمن ذا الذي يعرض نفسه عامدًا لأيام في النار لقاء أي ثمن على الإطلاق، إذا كانت الغمسة الواحدة فيها بهذا الهول؟!

"فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ".

يومئذ سيعلمون أنها ليست أيامًا معدودات .. إنما هي العذاب المهين الذي لا يطيقه أحد على الإطلاق!

"قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ".

(1) سورة المائدة: 48.

(2) سورة النساء: 150 - 151.

(3) أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت