"إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ".
ومن يكن أولئك غير اليهود؟! إن أعمالهم هذه من الاشتهار بحيث لا يلزم أن يُسَمُّوا بأسمائهم، وإنما تكفي الإشارة لأعمالهم ليُعْلَم من هم! إنهم أصحاب أسود سجل في تاريخ الأمم التي أرسل إليها رسل وأنبياء! يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير حق -هل يمكن أن يقتل نبي بحق؟! إنما التعبير لتفظيع عملهم ذلك، فالنبي المرسل للناس بالهدي هو آخر من يمكن أن يتجه إليه التفكير بالقتل، بل إن ذلك لا ينبغي في حق نفس بشرية عادية فكيف بنبي؟! -ولا يكتفون بقتل الأنبياء، بل كل من قام من الناس يأمر بالعدل كان مصيره القتل على أيديهم، لأن العدل هو عدوهم الأول خلال تاريخهم كله! لا لأن العدل يظلمهم -وحاشا للعدل أن يظلمهم- ولكن لأن شهواتهم الإجرامية الجامحة تصطدم دائمًا بالحق والعدل، وبمن يدعون إلى الحق والعدل من الرسل والأنبياء والناس، فيكرهون هذا كله، وينتقمون من الرسل والأنبياء والدعاة إلى العدل من الناس فيقتلونهم جميعًا متى وجدوا الفرصة السانحة لذلك!
".. فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ".
ومن يستحق العذاب الأليم أكثر ممن يكفر بآيات الله، وأكثر من قتلة الأنبياء والناس؟!
"أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ".
حبطت أعمالهم بمعنى أخفقت ولم تأت بالنتيجة المطلوبة .. ولكن أصلها اللغوي من حبطت الدابة أي أكلت عشبًا مسمومًا فانتفخت فماتت. ولذلك يعبر اللفظ عن شيئين معًا في ذات الوقت: انتفاخ أعمالهم لفترة من الوقت كأنها ناجحة، ثم إخفاقها في النهاية وبطلان مسعاها.
فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ..
وسيبدو واقع اليهود في الوقت الحاضر استثناء من هذه الصورة ولا شك. وإلى ذلك تشير السورة فيما بعد [آية 112] :"ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ .."وسنتحدث عنها إن شاء الله في حينها.
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ".
ولو كانوا غير ذوي كتاب فربما كان مفهومًا منهم أن يعرضوا حين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، وإن كان غير مقبول ذلك منهم ما دام الكتاب منزلًا من عند الله، وفيه من البينات ما يثبت ذلك .. فما بال هؤلاء وقد أوتوا نصيبًا من الكتاب من قبل -وهو التوراة- وعرفوا أن الله ينزل كتبًا على رسله بالوحي، ولم يعد الأمر غريبًا عليهم ولا مفاجئًا؟ إن إعراضهم يكون أعجب من إعراض الأميين وأدعى إلى الاستنكار .. لذلك يعجّب السياق منهم بقوله:"أَلَمْ تَرَ ..".
ثم نقف عند ملاحظة أخرى .. إن السياق يسمى التوراة"نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ"ويسمى القرآن"كِتَابِ اللّهِ"..
والتوراة -المنزلة- هي كتاب الله ولا شك. وقد قال لهم من قبل في سورة البقرة:"وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" [1] ولكنها وقتها كانت هي"الكتاب"لأنها يومئذ هي الكتاب المعتمد من السماء .. وهي القدر الذي أنزل من كتاب الله حتى ذلك الحين.
(1) سورة البقرة: 53.