إن كل رسول قد أوصى قومه باتباع من يأتي بعده .. ثم إن موسى وعيسى عليهما السلام قد انبآ قومهما بمبعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأمرا قومهما باتباعه عند ظهوره .. فلما"جاءهم العلم".. لما جاءهم تحقيق ما يعلمون من أمر نبيهم، وما هو مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل اختلفوا، بمعنى خالفوا عن الطريق وأبوا أن يطيعوا رسوليهما موسى وعيسى باتباع محمد -صلى الله عليه وسلم، فخرجوا من الإسلام سواء برفض الدخول في دين الرسول -صلى الله عليه وسلم، وهو مرسل من عند الله، فطاعته واجبة بهذا الاعتبار، أو بمخالفتهم لأمر رسلهم .. ولذلك قدم بقوله:"إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ"وثنى بقوله إن أهل الكتاب خالفوا عن طريق الإسلام بعد ما جاءهم تحقيق ما يعلمون من أمر الرسل السابقين"بَغْيًا بَيْنَهُمْ"وطغيانًا وتجاوزًا للخط السليم .. فهذا إذن هو دافعهم إلى الكفر كما كان دافع المشركين هو حب الشهوات، ودافع المنافقين الزيغ الذي في قلوبهم .. وهي أسباب متقاربة في النهاية بالنسبة لهم جميعًا، ولكنها تحمل لونًا من التخصص بالنسبة لكل فريق ..
".. وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ".
من يكفر بآيات الله من هذه الفرق جميعًا، بما فيهم أهل الكتاب،"فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ". وقد أشرنا من قبل إلى أنه يستوي أن يكون هذا الحساب في الدنيا أو في الآخرة فهو سريع في كلا الحالين [1] .
"فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ".
والذين كانوا يحاجّون الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أهل الكتاب في ذلك الوقت كانوا هم اليهود. وإن كان النصارى قد جاءوا يحاجّون بعد ذلك في نفس السورة، ووجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يرد عليهم بما يشبه ما ورد به على اليهود ..
"فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ".. وقد سبق القول بأن الدين عند الله هو الإسلام: إسلام الوجه لله. فها هو ذا الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوجّه أن يقول للذين يحاجونه من أهل الكتاب"أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ".. فأما أنا ومن اتبعني فقد أسلمنا، فما موقفكم أنتم؟ أأسلمتم؟
"وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ..".
والخطاب هنا شامل للفريقين جميعًا: أهل الكتاب ومشركي مكة، الذين يرفضون الإسلام: أأسلمتم؟ فإن أسلموا -وهذا احتمال بعيد بعد ما رأينا من مواقفهم- فقد اهتدوا، وكسبوا الإيمان ..
"وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ"..
إنك لست مكلفًا بهداية الناي، ولا أنت تملك ذلك -فالله وحده هو الذي يملك- إنما أنت مكلف بالبلاغ، وهذا الذي تملكه بالفعل. وأمر الخلق بعد ذلك إلى الله:
"وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ".. يعلم ما في نفوسهم ويحاسبهم بما يعلم من أحوالهم ..
وهذا حال فريق من أولئك العباد، الذين يقرر السياق أن الله بصير بهم:
(1) راجع سورة الرعد عند الحديث عن قوله تعالى:"وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ".