".. لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".
فهو قوي عزيز لا يغلبه أحد من أولئك المجادلين بغير الحق ..
ونلاحظ أنه كرر في الآية الواحدة قوله:"لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ"وأن هذه هي المرة الرابعة منذ بدء السورة، ونحن ما نزال في أوائلها. وفي ذلك إشعار بالأهمية القصوى لهذه القضية، قضية الألوهية، التي هي محور السورة كلها، ومحور المعركة الدائرة من جانب الكارهين والمعارضين.
وإذ تحدث عن فريق المشركين وعن دوافعهم التي تفعهم للصد عن سبيل الإيمان، والإصرار على الشرك، فهو يتحدث كذلك عن فرقة أخرى من الكارهين والمعارضين، أولئك هم اليهود.
"إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ، فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ، فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ".
"إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ".
والإسلام هو دين الأنبياء جميعًا من لدن آدم إلى محمد -صلى الله عليه وسلم .. وكل نبي دعا إلى الإسلام، بمعنى إسلام الوجه لله .. ولكن لفظة الإسلام قد صار لها معنى اصطلاحي، هو دين محمد -صلى الله عليه وسلم- والذين معه. وهو معنى لا يتعارض مع المعنى السابق ولكنه تخصيص له. كأنما معناه إن الذين على دين الإسلام -الآن بعد بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- هم المؤمنون بهذا الرسول وحدهم في الأرض كلها دون غيرهم من الناس. وقد كان أتباع كل رسول -في وقته- مسلمين. فأتباع نوح كانوا مسلمين، وأتباع هود وصالح ولوط وشعيب كانوا مسلمين، وأتباع إبراهيم عليه السلام كانوا مسلمين، وكذلك كان أتباع موسى وعيسى عليهما السلام مسلمين. أما الآن -بعد بعثة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فالإسلام هو هذه الرسالة التي بعث بها محمد -صلى الله عليه وسلم، والمسلمون هم أتباع هذا الرسول ..
فحين يقول السياق:"إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ"يعبر عن معنيين في آن واحد: إن الدين عند الله منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة هو أن يسلم الناس وجوههم لله، ويطيعوه ويتبعوا ما أنزل من عنده. وإن الإسلام الآن هو اتباع هذا الرسول الأخير، المرسل بالقرآن، مصدقًا لما بين يديه وخاتمًا للرسل والرسالات ..
".. وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ..".