الصفحة 236 من 379

فحينما تكون الحياة في حس الناس هي الحياة الدنيا وحدها، ولا بعث ولا حساب، ولا حياة بعد الموت، فهي إذن فرصة واحدة إن ضاعت فلن تعود. فرصة هذا العمر المحدود، الذي ينقضي يومًا بعد يوم .. وكل يوم ينقضي لا يعود! وإذن فمن الحتم عليهم أن يملأوا كل لحظة بأكبر قدر من المتاع في طوق أيديهم قبل أن تذهب تلك الفرصة الواحدة المحدودة! ولذلك يتكالب الناس على المتاع في الجاهلية التي لا تؤمن باليوم الآخر، ويؤدي بهم التكالب إلى الصراع ..

أما حين يكون هناك إيمان باليوم الآخر، وبنعيم دائم للمتقين، ومتاع خالد لا ينفد، فهنا تخف حدة الشهوة، ويخف وزن المتاع الأرضي في حس الإنسان، فلا يصبح ذلك الثقل المرهق الذي يثقل الناس إلى الأرض حتى يلصقوا بالطين! ويستطيعون عندئذ أن يكتفوا منه بالقدر المعقول الذي أباحه الله ويلتزموا بحدوده. بل يستطيعون أن يتخففوا منه أكثر حين يدعو داع إلى الجهاد، فيحرم الإنسان حتى من النعيم المباح ..

لذلك فهو يقول هنا بعدما قرر غلبة حب الشهوات على الناس:"قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ"ثم يعرض النعيم الأخاذ الذي أعده الله للمتقين، الذين يأخذون من متاع الدنيا بالنصيب المباح الطاهر الحلال الذي حددته حدود الله، ويمتنعون عن المتاع الزائد على تلك الحدود:

"لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ ..".

جنات خالدة بدلًا من هذا النعيم الذاهب الزائل. وأزواج مطهرة بدلًا من شهوات الجنس الدنسة التي تتعلق بالمحرمات .. وأهم من ذلك كله وأجمل، وأشف وأصفى:"وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ".. وأي نعيم أكبر من ذلك الرضوان؟! فللجسد متاعه .. والروح متاعها الرضوان.

".. وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".

إن الله بصير بعباده هؤلاء الذين سيدخلهم الجنة، عليم بأحوالهم وأعمالهم. إنهم هم الذين يقولون:"رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا"فيقرون بإيمانهم بالله، ثم يتطلعون إلى مغفرته:"فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا"ويستجيرون من عذاب النار:"وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".

ولكن الله البصير بعباده لا يدخلهم الجنة ويمنحهم الخلود والرضوان لمجرد أنهم قالوا ذلك .. وإنما لأنهم مع هذه المشاعر الإيمانية الفياضة يعملون:

"الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ".

وإنها لصورة شفيفة للمؤمنين، صورة تجذب القلوب إليها بجمالها وشفافيتها وتطهرها وارتفاعها ..

هؤلاء يستحقون رضوان الله حقًا .. فقد أهّلوا أنفسهم بمشاعرهم الإيمان وسلوكهم الإيماني لذلك الرضوان.

أما أولئك الذين غلبت عليهم شهواتهم فإنهم لا يؤمنون؛ ويصرون على الشرك الآثم وهم في غفلة يعمهون. لذلك يعلن إليهم حقيقة الألوهية:

"شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".

إنها حقيقة شهد بها الله ذاته، سبحانه وتعالى. وأي شيء أكبر شهادة من الله؟ والملائكة كذلك يشهدون، وأولو العلم من البشر، الذين آمنوا بالله ورسوله .. كل أولئك يشهدون أنه سبحانه إله واحد لا إله إلا هو قائمًا بالقسط .. يقيم هذا الكون كله بالقسط والحق. ولذلك نزل الكتاب بالحق. وهو يحاسب الناس على أعمالهم يوم القيامة بالحق ..

فماذا بقي لهم بعد هذه الشهادة من الله والملائكة وأولي العلم؟ ألا فليمضوا في عمايتهم، فلن يغيروا من ملك الله شيئًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت