الصفحة 235 من 379

ومما لا شك فيه كذلك أن الله هو خالق هذه الفطرة البشرية، وهو الذي أودع فيها -لحكمة يريدها- هذه الدوافع الفطرية، وجلها قوية دافعة دفاقة ..

إن الله جعل الإنسان خليفة في الأرض، وكلفه بعمارتها. وما كُلِّفَ أحد بهذه العمارة إلا الإنسان، وما أهّل أحد لعمارتها غيره .. وإن هذه الدوافع -بكل قوتها- لهي من بين المؤهلات التي أهّل بها الإنسان للقيام بعمارة الأرض. فهي التي تدفعه للإنتاج وللإنشاء، وللتعمير وللتصنيع. ولولا عمق هذه الدوافع الفطرية وقوتها لقعدت صعاب كثيرة دون الإنسان وعمارة الأرض، ولبقى حياته كلها محصورًا في نطاق ضيق من الأرض، ونطاق ضيق من الحياة ..

وإذن فقد كان لحكمة عليا أن تكون هذه الدوافع بهذه القوة في كيان الإنسان ..

ولكن الله العليم الحكيم، الذي أودع الفطرة تلك الدوافع القوية. لم يدعها تعمل وحدها .. والله يعلم سبحانه أنها إن عملت وحدها فسوف تعطب الإنسان وتدمره .. وإنما جعل معها ضوابط تضبط انطلاقها، وجعل هذه الضوابط فطرية كذلك كما أن الدوافع فطرية. وجعلها محكومة بقوة الإنسان المريدة الواعية التي اكتسبها من النفخة العلوية في قبضة الطين:"إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" [1] "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" [2] .

فالإنسان إذن بفطرته مشتمل على دوافع فطرية وضوابط فطرية. وفي حالة التوازن بين هذه وتلك فإن الإنسان يكون كما خلقه الله"فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ". أما حين تغلب الدوافع الفطرية فتنقلب إلى شهوات مدمرة فهنا ينقلب الإنسان"أَسْفَلَ سَافِلِينَ":"لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ..." [3] .

وهذا هو المجال الذي يعمل فيه الشيطان: تزيين هذه الشهوات بقدر زائد عن الحد وتخذيل الضوابط عن العمل وتخديرها، حتى تخف قبضتها فيتسنى للشهوات أن تنطلق بلا ضابط!

ومن هنا يأتي الفعل"زين"مبنيًا للمجهول ليتسع للمعنيين معًا في ذات الوقت!

ففي صورته الطبيعية الملتزمة بحدود الله، هي مزينة من عند الله .. وفي صورتها الفاحشة، غير الملتزمة بحدود الله، وهي مزينة من عند الشيطان.

والتلميح هنا إلى المعنى الثاني، لأنها هنا تصد الناس عن الإيمان، وإن كان هذا لا ينفي المعنى الأول الذي فهمه عمر -رضي الله عنه-. لذلك يقول فقط إن هذا متاع الحياة الدنيا، دون أن يضع متاع الحياة في موضع الذم، بل يقول فقط إن الله عنده ما هو خير منه:

"... ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ".

إن الله اللطيف الخبير، الذي خلق ويعلم من خلق، يعلم أنه لا يوجد علاج لطغيان الشهوات على كيان الإنسان إلا الإيمان بالآخرة!

(1) سورة ص: 71 - 72.

(2) سورة الشمس: 7 - 10.

(3) سورة التين: 4 - 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت