إنهم يعتزون اعتزازًا باطلًا بأموالهم وأولادهم يظنونها تحميهم من عذاب الله!"وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ" [1] فهنا يقول لهم إن أموالهم وأولادهم لن تغني عنهم من الله شيئًا، ولن تحول بينهم وبين مصيرهم الذي ينتظرهم عنده. ثم يرسم لهم صورة مؤلمة"وأولئك هم وقود النار!"إنه لا يقول إنهم سيعذبون في جهنم، ولا إن نار جهنم ستحرقهم .. فالخيال يمكن أن يتوقع هذه الصورة وتلك. والمشاعر حين يتصور الإنسان النار وهي تلتهم هذا الوقود الحي!
ثم يهددهم بأنهم ليسوا أقوى من فرعون ومن قبله .. وهم يعرفون مصيرهم، فأولى لهم أن يعتبروا بذلك المصير ..
"قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ".
والخطاب هنا موجه لليهود الذي أعجبهم ولا شك هزيمة المسلمين في أحد! وانتشت نفوسهم التي كان النصر الساحق في بدر قد كتبها وأثقلها. وكانوا قد قالوا للرسول -صلى الله عليه وسلم: لا يغرنك أنك انتصرت على بعض رجال من قريش لا خبرة لهم بالحرب. إنما حين تلقانا غدًا تعلم أنا نحن الناس! فهنا يقول للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن ينذرهم بأنهم سيغلبون، ثم يحشرون يوم القيامة إلى جهنم، ويذكرهم بما كان من أمر المشركين في بدر، وأن الله الذي نصر المسلمين يومئذ وهم قلة، على الكفار الذين كانوا يبدون في نظر المسلمين مثليهم مع أنهم كانوا ثلاثة أضعافهم في الحقيقة، هو الذي يؤيد المؤمنين ويمحق الكفار، وإذًا فلا مطمع لهم في النصر، ما دام الله هو الذي يتولى المعركة ويقرر مصائرها، وليس البشر من هنا أو هناك!
"قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ".
وإذ يتحدث عن الفئة الكافرة فإنه يتحدث عن دوافع كفرهم، التي تصدهم عن الإيمان:
"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ".
هذا هو سر ابتعادهم عن الإسلام .. يريدون متاع الحياة الدنيا بغير حد .. ويرون أن الإسلام سيحرمهم من ذلك المتاع!
"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ..".
والتعبير موحٍ بتعمق هذه الشهوات في كيان الإنسان. فهو لا يقول: زينت للناس الشهوات، بل يقول:"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ .."والشهوات محببة إلى النفس بذاتها، فإذا زُيِّن هذا الحب كذلك، فهو إذن حب واغل في الأعماق ..
ثم يعدد تلك الشهوات:".. مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ..".
إنه بالفعل يجمع في هذا السياق كل الشهوات المحببة إلى النفس .. أو كل"الدوافع الفطرية"في الإنسان. ثم يعلن أنها مزينة للناس.
وبناء الفعل للمجهول هنا يستوقف النظر كثيرًا.
إنه لا يقول -كما يقول في مواضع أخرى- زين لهم الشيطان أعمالهم ..
وقد قال سيدنا عمر لما نزلت هذه الآية:"والآن يا رب إذ زينتها لنا!"قيل فنزلت الآية التالية:"قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ".
إنه مما لا شك فيه أن هذه"حقيقة واقعة"بالنسبة للإنسان: أن هذه الشهوات عميقة في حسه، واغلة في أعماقه.
(1) سورة سبأ: 35.