الصفحة 233 من 379

هو -العزيز الحكيم سبحانه- أنزل عليك هذا الكتاب منه آيات محكمات، هي المتصلة بحقيقة لا إله إلا الله .. والمتصلة بالأحكام الشرعية والتنظيمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والخلقية والتربوية .. وأخر متشابهات كالأحرف الموجودة في أوائل السور وحقيقة الاستواء على العرش .. الخ. فأما"الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ".. وهؤلاء هم الفرقة الرابعة من معارضي لا إله إلا الله ومحاربيها، وهم المنافقون، يجيء ذكرهم هنا في ملخص السورة لا باسمهم وإنما بفعلهم .. ويجيء ذكرهم إشارة إلى أن السورة ستتناول الحديث عنهم تفصيلًا كما ستتناول اليهود والنصارى والمشركين .. أما"الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ"هؤلاء فيتتبعون هذه المتشابهات ليؤولوها تأويلًا يشكك المؤمنين في عقيدتهم"ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ".. وما يعلم تأويلها الحقيقي إلا الله. وما أنزلها إلا ليعلم الذين يؤمنون بالغيب ويسلمون لله إيمانًا وتصديقًا، والذين تزيغ قلوبهم فيتخذونها مادة للفتنة. أما"الراسخون في العلم"أي في الإيمان فيقولون:"آمنا به"لأنه آت من عند الله"كل من عند ربنا"فالله الذي أنزل المحكم هو الذي أنزل المتشابه، وكما آمنوا بالمحكم لأنه آت من عند الله، فهم كذلك يؤمنون بالمتشابه لأنه من ذات المصدر، الذي يؤمنون بكل ما يجيء من عنده."وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ".. فأصحاب البصائر المتفتحة هم الذين يذكرون الحقيقة فيؤمنون. وهذه العبارة ربما تكون استمرارًا لكلام الراسخين في العلم، وربما تكون من خطاب الله المباشر، ويستوي -كما ذكرنا من قبل- أن تكون هذه أو هذه. وإن كان الراجح أن تكون استمرارًا لكلامهم، فإنهم يعودون بعد ذلك فيسترسلون في الحديث:

"رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ، رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ".

إنهم يدعون الله ويتضرعون إليه ألا يزيغ قلوبهم كأولئك المنافقين، وأن يتم فضله عليهم بعد إذ هداهم فيثبتهم على الإيمان، وأن يرحمهم بهذا الإيمان الثابت منة منه وفضلًا فإنه وهاب .. والتعبير:"وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ"فيه تطلع إلى كرم الله السابغ أن يهب لهم هذه الرحمة .. وأن تكون واسعة شاملة تتناسب مع كرم المنعم"الوهاب".

"رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ..."إنهم يعلنون إيمانهم الراسخ بهذا اليوم الذي يجمع فيه الناس، وكأنما يقدمون هذا الإقرار مؤهلًا لطلب رحمة الله بهم في ذلك اليوم، والإنعام عليهم بنعيم الجنة التي وعدهم بها"إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ".

ثم يعود إلى الذين كفروا بمناسبة يوم الجمع الذي لا ريب فيه، وبمناسبة النعيم الذي يناله المؤمنون:

"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ، كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت