إن قصة عيسى عليه السلام، سواء هنا أو في سورة مريم المكية، من أجمل القصص وأشدها تأثيرًا في النفس. وهي تأتي مفصلة في هذين الموضعين في القرآن، ولا تأتي في غيرهما إلا إشارات عابرة، كالذي جاء في سورة النساء، وسورة المائدة، وسورة الأنبياء، وسورة الزخرف ...
ولن نقف عند القصة آية آية كما فعلنا ببقية السياق، فالقصة غنية بذاتها، مؤثرة بذاتها. إنما نقف مع السياق وقفات ..
إنه يبدأ القصة من أولها، لتكون بتمامها حاضرة بين يدي الجدل الذي يجادله النصارى مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- بشأن عيسى عليه السلام .. ولكن البدء في الحقيقة يأتي من أول آدم! حتى يصل -عبر نوح وآل إبراهيم- إلى آل عمران الذين ولد فيهم عيسى!
وهذا البدء -منذ أول الخليقة- يؤدي هنا غرضين اثنين ..
فالغرض الأول هو بيان خط الاصطفاء الرباني من أول آدم عليه السلام حتى يصل إلى آل عمران .. بما يمهد للنفس أن تتلقى أنباء الاصطفاء في آل عمران بانتباه وتشوف .. إذ أنه اصطفاء عريق جدًا يرجع إلى بدء الخليقة، ويمضي خلال التاريخ، بقدر من الله، حتى يصل إلى آل عمران .. ويجيء هذا كله تمهيدًا لاصطفاء مريم، ذلك الاصطفاء الفريد في التاريخ كله، ثم اصطفاء ولدها عيسى عليه السلام ...
أما الغرض الثاني فبيان أن المعجزة في عيسى عليه السلام ليست مفردة في التاريخ! فقد سبقتها معجزة خلق آدم على ذات المستوى من الإعجاز .. وبغير أب في الحالتين. وقد نص السياق على ذلك نصًا بعد إكمال القصة، عند بدء الجدل مع النصارى حيث يقول: [آية 59] "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ".
ثم تأتي قصة امرأة عمران حين نذرت ما في بطنها لله .. على عادة أهل تلك الفترة إذ كانوا ينذرون أبناءهم للمعابد تقربًا لله، فيعيش الولد في المعبد يتلو ويتعبد ولا يقرب الحياة الدنيا! وتلك"عقدة"القصة، فقد ولدت أنثى ولم تلد ذكرًا كما كانت تتمنى .. والأنثى لا يمكن أن توهب للمعبد كما يوهب الذكر .. إلا أن الله من عليها، وتقبل منها هبتها، وقبل أن توهب للمعبد بدلًا من الذكر الذي كانت تتمناه!
وهنا نقف مع امرأة عمران تدعو وهي تكاد تجزم -بمشاعرها- من شدة التمني، أن يكون ما في بطنها ذكرًا فتهبه للمعبد. ونستطيع أن نتصور الصدمة والمفاجأة حين وضعتها أنثى فتنادي ربها: رب إني وضعتها أنثى ... وليس الذكر كالأنثى! لقد كان الإنسان يتصور أن تقول: وليست الأنثى كالذكر! فيكون الكلام منطقيًا مع الواقع! ولكن امتلاء خيالها بالولد الذكر الذي كانت ترجوه هو الذي يجعلها تقدم الذكر على الأنثى، كأنها تقول: وليس الذكر الذي تمنيته لأهبه للمعبد، كالأنثى التي وضعتها ولا يمكن أن توهب للمعبد!
ولكن الله يتقبل منها هبتها ويوحي لزكريا أن يكفلها ..
وهنا وقفة مع زكريا ..
إن كفالته لهذه الصغيرة المباركة، التي يفيض الله عليها من رزقه، وهو المحروم من الذرية، وقد حرك في نفسه ذلك الهاتف القوي، العميق العميق في الفطرة، بحيث لا تنجو منه نفس بشرية، ولو كانت نفس نبي .. ذلك هو الحنين إلى الذرية ..
"هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء"..
ترى ذلك العمق في"هنالك"..
إنه لا يقول: هنا دعا زكريا ربه .. والمناسبة حاضرة مع الصغيرة في المحراب ..
ولا يقول: هناك دعا زكريا ربه .. فيبعدنا عنه شيئًا ما، لنترقبه من بعيد وهو هناك في المحراب يدعو ربه ..
إنما يقول:"هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ...".
إن"هنالك"تحمل كل العمق الشعوري في قلب زكريا نحو الذرية .. وكل اللهفة الموغلة في حناياه!