الصفحة 248 من 379

هنالك .. هنالك في الأعماق!

إنها ليست تعبيرًا عن البعد المكاني .. فالمكان أمامنا قريب، ونحن معه نشاهد مريم، والرزق يفيض عليها من عند الله، وزكريا واقف إزاءها.

ولكنها تعبير عن المناسبة التي تحرك فيها وجدان زكريا .. ومن هنا تأخذ شحنتها الحقيقية لا من مدلولها المكاني الحسي، بل من مدلولها النفسي الشعوري الذي أبرز مكنون صدر زكريا، الموغل في أعماقه .. هنالك في أعماق الشعور!

وإنه لإعجاز .. أن يتحكم حرف واحد في المعنى، فيعطيه كل هذا العمق .. وكل هذا التأثير!

ووقفة أخرى معه وهو ينبأ بمولد يحيى فلا يصدق! وهو الذي كان يتمنى وهو مصدق!

فحين كان يتطلع إلى الله، كان موقتًا -في أعماقه- بأنه يتطلع إلى القدير الذي لا يعجزه شيء! ولكن لما تحققت الأمنية البعية لم يستطع وجدانه أن يصدقها لأنها كانت بعيدة بعيدة .."هنالك"في أقصى الخيال!

ثم يترك زكريا في مفاجأته وفي فرحته ليعود إلى مريم صاحبة القصة الأصلية، والملائكة تبشرها باصطفائها -بمعنى اختيارها- وتطهيرها، واصطفائها -بمعنى تفضيلها- على نساء العالمين. وإن كان تكرار لفظ الاصطفاء -مع اختلاف المعنى- تأكيدًا لمعنى الاصطفاء في كل حال.

ثم .. قبل أن يذكر البشارة الثانية بحمل عيسى، يُقطَّع السياق بآية:

"ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ".

إن هذه الآية تؤدي مهمة عقيدية .. هي إثبات الوحي للرسول -صلى الله عليه وسلم، فهو لم يكن حاضرًا هذه القصة ولا كان يعلم تفصيلاتها، فهي إذن من أنباء الغيب الموحاة إليه ..

ولكنها تؤدي كذلك مهمة"فنية"فهي تتيح فاصلًا زمنيًا بين بشارة الملائكة لمريم بالاصطفاء، وبشارتهم لها بحمل عيسى- عليه السلام .. اللتين يفصل بينهما فاصل زمني في الواقع .. يملأه السياق هنا -فنيًا- بالحديث في موضوع آخر، وإن كان وثيق الصلة بالقصة .. فإذا عاد إلى السرد كان الخيال مهيئًا للحدث الجديد، فقد مر من الزمن ما يهيء لحدث جديد!

وذلك من دقائق التعبير القرآني .. وقصة مريم هنا وفي سورة مريم مليئة باللطائف الفنية الدقيقة، التي تهيئ جوًا شعوريًا معينًا يتناسب مع تلك القصة الفريدة في حياة البشرية!

وتجيء البشارة الثانية بمفاجأة حادة لمريم .. أشد من مفاجأة زكريا بمولد غلام له ..

ومما يلفت النظر أن القصة في الموضعين اللذين وردت فيهما، وهما سورة آل عمران وسورة مريم، قد جمعت بين قصة ولادة الغلام لزكريا وولادة الغلام لمريم .. ذلك أن المعجزة فيهما من نوع متقارب، وإن لم تكن واحدة في الحالين. ففي حالة زكريا يولد له ولد بغير الإمكانيات المعتادة في عالم البشر، فالعاقر لا تلد، واحتمال النسل للشيخ الذي بلغ من الكبر عتيا احتمال ضئيل في ذاته، فإذا كانت الزوجة عاقرًا فهو مستحيل بطبيعة الحال .. ومن ثم تكون المعجزة في حالة هذا الشيخ الكبير والزوج العاقر هي معجزة"كن فيكون"ولكن مع وجود أساس يمكن"إصلاحه"كما جاء في وصف القصة في سورة الأنبياء:"وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ" [1] .

(1) سورة الأنبياء: 89 - 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت