الصفحة 249 من 379

أما معجزة ولادة عيسى بغير أب فهي معجزة"كن فيكون"ولكن بغير الأدوات المعتادة في حياة البشر أصلًا .. ولذلك نجد السياق يقول حين عجب زكريا:"قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ"أما حين عجبت مريم:"قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ".

وثمت وقفة"فنية"أخرى في سياق القصة:

"قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ، وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ، وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ...".

هل هو استمرار للحوار مع مريم؟! استمرار لوحي الله لها: إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، ويعلمه الكتاب والحكمة؟ أي أنه إنباء لمريم بأن عيسى سيولد بمشيئة الله التي تقول للشيء كن فيكون، وسيعلمه ربه الكتاب والحكمة .. وسيرسله رسولًا إلى بني إسرائيل .. كل ذلك في المستقبل؟ أم إن الحوار انتهى عند قوله تعالى".. فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ"وهذا إخبار عن الماضي، أنه قد ولد بالفعل، وعلمه ربه الكاب والحكمة والتوراة والإنجيل، ثم أرسله رسولًا إلى بني إسرائيل، وها هو ذا في لحظة الكلام هذه يقول لبني إسرائيل: إني قد جئتكم بآية من ربكم ... ؟

إنه هذه وتلك!

فهو إنباء لمريم بالمستقبل. وهو تحقيق للإنباء .. فقد وقع بالفعل .. وها هي ذي الحلقة الأخيرة من الإنباء تتحقق أمام أعيننا في الحاضر!

لو أن السينما هي التي تصور .. وصورت لنا هذا التداخل بين المستقبل والماضي والحاضر .. فصورت لنا الإنباء في لحظة الإيحاء به على أنه مستقبل، ثم عادت فعرضت ما تحقق منه بلافعل، ثم وضعتنا أمام الحلقة الحاضرة فأعطتنا تفصيلاتها لنعيش معها خطوة خطوة .. لو أن السينما هي التي تصنع ذلك لقلنا إنها براعة تأخذ بالألباب! .. وهذه مجرد ألفاظ .. لا صور تتحرك .. وألفاظ قليلة معدودة .. تعطينا كل هذه الذخيرة من الصور والمشاعر وحركة الأحداث!

ثم ..

"وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَاكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ".

ألم تلحظ شيئًا معينًا في السياق في أثناء سرد الآيات التي جاء بها عيسى لبني إسرائيل؟!

ألم تلحظ أن الآيتين بالذات، اللتين فتن بهما النصارى فألهوا عيسى من أجلهما، وهما خلق الطير من الطين وإحياء الموتى، قد نص السياق بشأنهما نصًا أنهما يتمان بإذن الله؟! بينما لم يذكر ذلك بشأن الآيتين الأخريين وهما إبراء الأكمه والأبرص وإنباؤهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وإن كانت الآيات كلها تتم بإذن الله، ولكن المقصود إبراز هاتين الآيتين بالذات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت