لقد جاءت قصة هذه الآيات نفسها مرة أخرى في سورة المائدة، وهناك نص على أنها كلها تتم بإذن الله [ليتم التنويع الذي أشرنا إليه من قبل!] ولكنه كذلك ميز هاتين الآيتين بالذات وهما خلق الطير من الطين وإحياء الموتى، عن إبراء الأكمه والأبرص!"إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي ..." [1] .
وأخيرًا يبرز السياق هذه الحقيقة في نهاية القصة:"إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ"فيسجل قول عيسى عليه السلام أن الله هو ربه وربهم .. لكي لا تكون هناك شبهة على الإطلاق أن عيسى قد ادعى بنوته لله!
"فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ، وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ".
هذه تكملة القصة، وهي مفرق الطريق كذلك بين بني إسرائيل وبين النصارى .. فقد كفر بنو إسرائيل بعيسى عليه السلام، واتبعه الجواريون وهم أفراد قلائل، ومكر بنو إسرائيل مكرهم ليقدموا عيسى عليه السلام للمحاكمة التي تؤدي إلى صلبه باعتباره خارجًا على الدولة الرومانية ومثيرًا للفتن والقلاقل! ومكر الله -أي دبّر- وهو خير الماكرين، فأنقذ رسوله من كيد بني إسرائيل، فرفعه إليه ..
وليس بنا هنا أن نخوض في قضايا هذه الآية:"إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا .."فإن ذلك كله لا يدخل في نطاق هذا البحث، الذي يتناول رءوس الموضوعات في القرآن .. إنما نسير مع القصة حتى نهايتها، فنجد وعدًا من الله يجعل الذين اتبعوا عيسى فوق الذين كفروا به إلى يوم القيامة، ووعيدًا بتعذيب الذين كفروا في الدنيا والآخرة ..
ثم تنتهي القصة بهذا التعقيب، الذي ينتقل السياق بعده إلى معركة الجدل مع النصارى.
"ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ".
وللتعقيب صلة بهذا الجدل، فكأنما هو توثيق من الله سبحانه وتعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم، ومنحه التفويض الذي يتكلم بموجبه في القضية! ذلك أنه يتكلم باسم الله، وبوحي من الله ..
"إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ"..
(1) سورة المائدة: 110.