هكذا بهذه البساطة يفصل في قضية الألوهية المزعومة لعيسى .. لا عجب ولا غرابة ولا ضرورة على الإطلاق لوضع الأساطير! إن الله يخلق بتوجه المشيئة للخلق. يقول للشيء كن. فيكون. وحادثة عيسى ليست هي الوحيدة في تاريخ البشرية، فقد سبقتها حادثة خلق آدم، وهي أدعى للعجب من خلق عيسى. فقد خلق عيسى على أي حال من كيان بشري وهو مريم، ولكن آدم خلق من تراب. وخلق إنسان حي من التراب الميت أعجب من خلق كيان آدمي حيّ من كيان آدمي حيّ وإن كان على غير الصورة المعهودة ..
وعلى الرغم من كون خلق آدم من تراب أعجب في حسنا من خلق عيسى بغير أب، إلا أن السياق يوحد بينهما بالقياس إلى الله سبحانه وتعالى:"إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ .."وهذا هو المقصود. إذ أنه بالقياس إلى الله سبحانه وتعالى يستوي الصغير في حسنا والكبير، والعجيب وغير العجيب، لأن مرده كله إلى توجه المشيئة، أن يقول له كن، فيكون.
"الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ".
وما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الممترين في يوم من الأيام، إنما يوجه الخطاب إلى الناس من خلال توجيهه إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم، فهم المقصودون من قوله تعالى:"فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ".
"فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ".
وتلك هي المباهلة الشهيرة التي تقول شهادة التاريخ إن وفد نجران الذي جاء يجادل في أمر عيسى قد توقف عندها وانسحب من المناقشة! والدلالة النفسية لذلك واضحة! إن هذه الأساطير التي وضعتها الكنيسة حول عيسى عليه السلام تبلغ عند أتباعه مبلغ الاعتقاد، ولكنها لا تصل إلى درجة اليقين، ومن ثم فإنهم حين ووجهوا بالمباهلة على يد نبي مرسل أحجموا وخافوا، وإن لم يتنازلوا عن اعتقادهم مع ذلك!
"إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".
إن قصة عيسى كما رواها القرآن هي القصص الحق. ومنها يتبين أن عيسى بشر خلقه الله كما خلق آدم وليس إلهًا ولا شبه إله. وما من إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته. وإن الله لهو العزيز الحكيم القادر الذي يفعل كل شيء بقدرته ..
"فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ".
وبمقتضى علمه بهم يحاسبهم يوم القيامة.
وكأنما يوجه الخطاب إليهم قبل أن يتولوا! ..
"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ".
تعالوا إلى كلمة فاصلة بيننا وبينكم. كلمة مستقيمة نلتقي عندها أو نفترق عندها: ألا نعبد إلا الله وحده دون شريك، وألا ننشئ من بيننا آلهة نعبدها من دون الله .. وهي كلمة حق لا يملك أحد مستقيم الفطرة ألا يوافق عليها. فإن تولوا، فاطلبوا منهم -قبل التولي- أن يشهدوا شهادة واحدة: أنكم مسلمون لله وحده دون شريك!
وهم بطبيعة الحال لن يعطوا هذه الشهادة لأنها ليست في صالحهم! ولكنها طريقة لإعلان المسلمين عن موقفهم من القضية وهي أنهم مسلمون لله لا يشركون به شيئًا، ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله ..