الصفحة 252 من 379

"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ، هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ".

إن أهل الكتاب -بفرقتيهم، اليهود والنصارى- يزعمون ملكية إبراهيم عليه السلام وحدهم دون شريك. اليهود يقولون إنه كان يهوديًا، والنصارى يقولون إنه كان نصرانيًا .. وكلاهما يقول إن المسلمين لا صلة لهم بإبراهيم ولا يحق لهم أن ينسبوا إليه!!

والقرآن يحاجّهم في هذه القضية بمنطق بسيط واضح. وإن كان الهوى يعمي بصيرتهم عن المنطق فلا يصيخون له! كيف يكون إبراهيم يهوديًا أو نصرانيًا إذا كانت التوراة التي سمي اليهود يهودًا بسببها، والإنجيل الذي سمي النصارى نصارى بسببه، لم ينزلا إلا بعد إبراهيم بفترة طويلة من الزمان؟! كيف يخضع إبراهيم لتسمية لاحقة لم تكن موجودة في وقته؟! إنما يكون حنيفًا مسلمًا، لأن كل أنبياء الله وكل الذين اتبعوهم كانوا مسلمين، بمعنى إسلام الوجه لله، واتباع ما أنزل الله.

ثم يفصل القرآن في هذا النزاع الجدلي الذي يثيره اليهود والنصارى حول إبراهيم فيحدد من هم أولى الناس به. إنهم ليسوا اليهود لأنهم لم يحافظوا على العهد، بل ظلموا. وقد نبه الله إبراهيم إلى ذلك حين طلب العهد لذريته فقال:"لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ". وإنهم ليسوا النصارى كذلك، الذين يخالفون خط الإسلام الذي كان عليه إبراهيم، بدعواهم في تأليه عيسى عليه السلام .. إنما هم أتباعه المباشرون الذي آمنوا به في وقته على استقامة، وهذا النبي الذي جاء بالإسلام والذين آمنوا معه بهذا الإسلام .. والله ولي المؤمنين في هذه المعركة، يسندهم بكلمة الحق .. أما الضالون فلا ولي لهم من دون الله ..

"وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ".

إن أهل الكتاب يمتلئون حقدًا على المسلمين. وكأنما المسلمون قد سلبوهم سلطانهم وعهدهم، وليسوا هم الذين انحرفوا عن العهد فسحبت منهم الخلافة! وبدلًا من أن يستقيموا على دين الله، فيدخلوا في هذا الاستخلاف

الجديد فإنهم يحقدون ويسعون إلى الكيد. ومن الكيد أن يحاولوا تضليلكم .. وما يشعرون أنهم حين يحاولون جذبكم بعيدًا عن الخط المستقيم فإنهم هم أنفسهم الذين يضلون لأنهم يزدادون بعدًا عن هذا الخط المستقيم! .. ويتوجه الخطاب إليهم ينبههم إلى سوء عملهم:

"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ".

إن المخاطبين في هذا السياق هم اليهود .. وتلك أعمالهم ووسائلهم! يكفرون وهم يعرفون الحق، ويلبسون الحق بالاطل وهم يعلمون بعملية التزييف والتلبيس التي يقومون بها عن قصد ..

"وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ".

إنها هي هي الوسائل التي يستخدمها أهل الكتاب حتى هذه اللحظة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت