إن مخططات أعداء الإسلام ومكائدهم لمشروحة ومفصلة في كتاب الله منذ أربعة عشر قرنًا! ما تغير إلا بعض وسائلها، ولكنها في جوهرها لم تتغير، وكثير من وسائلها كذلك لم يتغير!
إن هذا الذي تذكره الآية لهو ذاته الذي يتخذه المستشرقون اليوم من نصارى ويهود .. يبدأون بشيء من المديح للإسلام ولرسول الإسلام -صلى الله عليه وسلم-، حتى إذا اطمأن القارئ المسلم أنه في جو صديق، وألقى سلاح اليقظة، دسوا له السم في العسل وهو مخدر بذلك المديح الذي لا يتوقع صدوره من أعداء اسلام، فيظن أنهم مخلصون! فإذا بذروا له الشبهات في الطريق، راح يتشكك في دينه وكأنه يقول: لا بد أن ما يقولونه حق لم أكن منتبهًا إليه، فنبهني ذلك الكاتب"العالم"المخلص النزيه!! وبذلك تتربى أجيال من"المثقفين"يأخذون دينهم من أولئك المستشرقين، ولا يلتفتون إلى تحذير الله لهم منذ أربعة عشر قرنًا وتبيانه لهذه الوسائل الخبيثة المسمومة:"آمِنُوا بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ"أي تظاهروا أمامهم بالإيمان في اول الأمر"وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"يرعون معكم! فيرجعون عن إيمانهم!"وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ"فهي مخادعة للمؤمنين فقط دون تحول حقيقي عما يعتقدون!
".. قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ".
إن الآية تروي حوارًا من الجانبين، فيه كلام من جانب أهل الكتاب، ورد من جانب الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوجّه إلى الرد به عليهم.
ولو كتبناها في صورة حوار متبادل لصار الحوار هكذا:
يقول أهل الكتاب بعضهم لبعض:"آمِنُوا بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ".
فيقول لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ".
ويقول أهل الكتاب بعضهم لبعض:"أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ".
فيقول الرسول -صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ...".
إنهم يزعمون أنهم على الحق، ويريدون في الوقت ذاته ألا يؤتى هذا الحق أحد سواهم! فالخير -إن كان ما عندهم خيرًا! - ينبغي أن يكون مقصورًا عليهم. ولا يحق لأحد من البشر أن يهتدي سواهم! فهم يعملون على تضليل المؤمنين خشية"أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ"فتنكسر القاعدة اليهودية وهي أنه لا خير إلا لليهود وحدهم، والشر لبقية الأمميين!
هذه واحدة. أما الأخرى فهي خشية محاجة المسلمين لليهود عند الله لو كشفوا ما عندهم من حق ولم يداروا عليه بالتضليل! كما جاء في سورة البقرة من قبل:"وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" [1] وهي عقلية عجيبة تظن أن الله لن يحاسبهم إلا إذا تمسك عليهم المؤمنون بشيء، وشهدوا به عند الله ضدهم! ولذلك رد عليهم في سورة البقرة بقوله:"أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ" [2] .
(1) سورة البقرة: 76.
(2) سورة البقرة: 77.