فهرس الكتاب
"أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ".
وذلك بعد قوله تعالى:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ".
إن مشكلة اليهود -ومشكلة البشرية الدائمة معهم- أنهم يحسبون أنهم أفضل أهل الأرض في جميع المجالات وعلى جميع المستويات! ومن ثم يرون أنهم -وحدهم- هم الجديرون بكل خير في الأرض، وأن كل خير يناله أحد غيرهم هو منتزع منهم شخصيًا ولا بد من حرمانه منه! ومن ثم لا يستطيعون أن يعيشوا مع البشرية في سلام!
ولكن حقدهم الأكبر -كما يقرر القرآن- هو الموجه ضد المسلمين والإسلام. ومن ثم فإن صراعهم مع الإسلام لا يزول حتى تقوم الساعة وينتهي الصراع في الأرض. وهذا الذي ينبهنا القرآن إليه بالحديث المفصل عنهم في أكثر من سورة من سور الكتاب.
التعقيب الأخير على الآيات الواردة بشأن اليهود تعقيب لا تملك النفس أن تفر من تأثيره:
"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا".
إنه نص عامل يشمل كل من يكفر بآيات الله، وإن كان قد جاء بمناسبة ذكر من كفر بما أنزل الله على آل إبراهيم.
"أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا، فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا ...".
والنص يثير الرهبة والفزع في كل نفس تملك الحس.
إن أقسى ما يصيب الإنسان في الأرض من الألم هو ألم الحرق بالنار. ولكنه في الأرض -على كل ما فيه من ألم يفوق الطاقة- هيّن هيّن بالنسبة لذلك العذاب الذي تصفه الآية في الآخرة.
فكم يقضي الإنسان في الأرض شاعرًا بعذاب الحريق؟
لحظة؟
هبها لحظات تمتد إلى أيام .. ثم لا بد أن يشفى أو يموت.
وهو جلد واحد، وأعصاب واحدة في هذا الجلد. فإن احترق فقد انتهت المسألة وانتهى العذاب ..
فما بال هذا العذاب الذي لا ينتهي ولا يقف عند حد؟
ما باله لا ينتهي حتى حين يحترق الجلد كله بما فيه من أعصاب الحس التي تنقل الإحساس بالعذاب؟
كلا! إن صاحبه لا يجد الراحة قط، لأنه لا يشفى ولا يموت. وإنما يحترق جلده -بكل ما في ذلك من عذاب يفوق الطاقة- فإذا له في ذات اللحظة جلد جديد بأعصاب جديدة تنقل الإحساس بالعذاب!
"بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ".
ويظل الخيال يتصور الاحتراق الدائم الذي لا يتوقف، والعذاب الدائم الذي لا يكف .. وأن كان في الحقيقة لا يستطيع أن يمضي في تصوره إلا لحظات .. فمجرد التصور شيء فوق الطاقة .. فكيف بالعذاب!
وفي المقابل تمامًا تأتي تلك الصورة الرخية الهنية المورفة.
"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا".
فمن ذا الذي يترك هذا الظل الوارف ويذهب إلى الحريق؟!
من هذا الحديث عن اليهود وكيدهم للمؤمنين، يتوجه الحديث إلى المؤمنين يرسم لهم دستور حياتهم على المنهج الرباني، ثم يعود إلى اليهود مرة أخرى بشأن صفة أخرى من صفاتهم أو ثوب آخر مما يلبسونه من ثياب، هو ثوب المنافقين، ليقرر في النهاية حقيقة الإيمان.