الصفحة 324 من 379

أما الخمر فأمرها مختلف. -إنها عادة نفسية وجسدية وفردية واجتماعية، ولها اتصال وثيق بالكيان العصبي للإنسان. وليس معنى هذا أن الإقلاع الفوري عنها غير ممكن. بل هو ممكن بغير شك. ولكن قلة من البشر من يقدر عليه. والغالبية تحتاج إلى التدرج حتى تستطيع أن تصل إليه. التدرج في المقدار، والتدرج في الزمن المخصص للشراب، والتدرج في العادات الفردية والاجتماعية. وقد اقتضت الحكمة الربانية أن يتم التحول على عدة مراحل، استغرقت في مجموعها عدة سنوات. وكانت المرحلة التي تشير إليها الآية هنا هي التدرج في الزمن بتحريمها في أوقات الصلاة، وذلك يضيق الفترة المتاحة، لأن المقصود ليس الشرب ذاته وإنما أثره ومفعوله وهو السكر:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ"وهذا الوعي في الصلاة لا يتأتى إذا كان الشرب قد نم منذ قريب. فلا يستطيع الإنسان أن يشرب في الصباح ويكون صاحيًا واعيًا في صلاة الظهر، أو يشرب في الظهر ويصلي العصر على وعي، أو يشرب في العصر ويؤدي صلاة المغرب أو العشاء كما ينبغي. لذلك فقد حصرت الآية فترة الشراب في الحقيقة فيما بعد صلاة العشاء إلى النوم .. وتلك كانت مرحلة على الطريق.

ثم تجيء في الآية أحكام خاصة بالجنابة والغسل ورخصة المرض والسفر وحالة عدم وجود الماء والتيمم، لا نتعرض لها هنا لأن هذا ليس مجالنا كما أسلفنا.

إنما نشير إشارة -مكررة- إلى هذا الانتقال من الحديث عن اليهود والمشركين إلى الحديث عن هذه الشعائر، ثم العودة بعدها إلى حديث مفصل عن اليهود .. إنه أمر مألوف في القرآن على القاعدة التي أشرنا إليها من قبل.

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ، وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا، مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا ..".

يتحدث السياق في آيات متواليات عن اليهود، معرفًا بأحوالهم وطباعهم حينًا، مهددًا لهم حينًا، كاشفًا عن دخائل أنفسهم ودوافعهم الخبيثة الشريرة لحرب المسلمين والتأليب عليهم.

والسور المدنية لا تخلو من حديث عن أعداء لا إله إلا الله المحاربين للمسلمين المناوئين لدعوة الله بفئاتهم الأربع: اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين. جاء الحديث عنهم في سورة البقرة وسورة آل عمران ويجيء هنا في سورة النساء ويجيء كذلك في سورة المائدة، على اختلاف في النسب المخصصة لكل منهم ونوع الحديث الموجه إليهم وموضوعه. ولكنهم دائمًا هناك.

وحين نقرأ هذه السور على أنها تسجيل لأحداث بعينها في تاريخ الدعوة فقد يخيل إلينا أنه حديث الماضي، المحدد بتلك الأحداث .. ولكن الحقيقة ليست كذلك.

إن هذا التوكيد الشديد في القرآن على أعداء لا إله إلا الله وكيدهم للإسلام -واليهود منهم خاصة- ليس شأنًا من شئون الماضي، في الوقت الذي كان تقع فيه أحداث معينة في تاريخ الدعوة يتنزل بشأنها القرآن، إنما هو حديث الحاضر والمستقبل، وحديث الزمن كله إلى أن تقوم الساعة:

"وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ..." [1] .

"وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" [2] .

لذلك ينبغي أن نأخذ هذا الحديث عن تلك الفئات الأربع على أنه حديث الساعة، الموجه إلينا شخصيًا في اللحظة التي نعيش فيها الآن.

ولا يتسع المجال هنا لاستعراض الآيات تفصيلًا ولكنا نقف عند إشارة القرآن إلى حسد اليهود وحقدهم:

(1) سورة البقرة: 217.

(2) سورة البقرة: 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت