فهرس الكتاب
"وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيمًا، إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا، فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا، يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا".
وهكذا يكون المنطلق كله هو قضية لا إله إلا الله، يوجّه المؤمنون للإيمان بها والعمل بمقتضاها، ويندد بالذين لا يؤمنون بها ولا يعملون بمقتضاها من أي فريق كان.
ومن هنا يبدأ السياق يتحدث عن أعداء لا إله إلا اله من يهود ونصارى ومشركين ومنافقين، ويستغرق ذلك جزءًا كبيرًا من السورة كما سيجيء.
آية واحدة تتعلق بشعيرة الصلاة والغسل والتيمم، ثم يتوجه السياق فترة غير قصيرة إلى اليهود.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا".
كانت هذه مرحلة في طريق التحريم النهائي للخمر، التي كانت ما تزال عالقة بقلوب بعض المؤمنين ومنهم عمر -رضي الله عنه- وقد علم الله أن أمورًا كهذه تحتاج إلى تدرج طويل حتى تمحى من النفوس ومن واقع المجتمع. ونلحظ في طريقة الإسلام في معالجة النفس البشرية وتقويمها أن هناك أمورًا يطلب التحول فيها في التو بلا إمهال وأمورًا أخرى تستغرق سنوات من التحول حتى تصل إلى غايتها. وذلك حسب طبيعة هذه الأشياء في النفس والطريقة التي يتم بها التحول. فمسألة الإيمان بالله الواحد دون شريك من الأمور التي لا إمهال فيها ولا تدرج. لا لأنها قاعدة كل شيء فحسب، ولكن كذلك لأن التحول فيها يتم في لحظة! والتدرج فيها غير ممكن! إنها حق أو ضلال. رؤية أو عماية. أبيض أو أسود. ولقد يستغرق التفكير في الأمر فترة من الزمن تطول أو تقصر. وقد تمتد سنوات كما حدث مع عمرو بن العاص. ولكن الهداية تحدث في لحظة واحدة حاسمة يتبين فيها الحق فينتهي الضلال. لحظة تنقشع فيها العماية فتتم الرؤية. لحظة يرى فيها الإنسان الأبيض فيتحول عن الأسود.
لذلك لا يتدرج القرآن مع الناس في قضية الألوهية! ولا يقبل منهم أنصاف الحلول، لأنه لا توجد في القضية أنصاف حلول!"فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ" [1] إنهم في مداهنتهم ما زالوا في منطقة العماية لا في منطقة الرؤية، ولو تمت الرؤية لما عادوا يداهنون!
(1) سورة القلم: 8 - 9.