فهرس الكتاب
إنه تعقيب يجيء متوسطًا -بطريقة فنية لافتة للنظر- بين معنيين، يُرْبَط كل منهما من ناحية بهذا التعقيب، فيتصل بالمعنيين معًا في ذات الوقت، ويعطي كلًا منهما اتجاهه!
"وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا".
"إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا، الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا".
فأما السياق الأول فهو يوصي بالإحسان إلى ابن السبيل وما ملكت أيمانكم، مع من سبق ذكرهم في الآية. وإذ كان وجود هؤلاء عرضة لإثارة الكبر والخيلاء في نفوس بعض الناس، فيحس الشخص ذو المال أو الجاه بالاستعلاء على ابن السبيل، ويحس مالك الرقيق بالخيلاء نحو رقيقه فيسيء إليه، فإن التوجيه القرآني يأتي بالتنفير من هذا الخلق الذميم والنهي الضمني عنه، ذلك أنه ما دام الله سبحانه وتعالى لا يحب من كان مختالًا فخورًا فإن المؤمن الذي يعبد الله ولا يشرك به شيئًا لا بد أن يبتعد عن الوضع الذي لا يرضى الله عنه، فيبتعد عن الخيلاء والفخر، ويحسن إلى الناس بغير خيلاء.
وأما السياق الثاني فهو يتحدث عن فئتين من البشر مختلفتين تمامًا -هما اليهود والمشركون! - ولكننه يفتتح الحديث عنهما بأن الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا (التي رُبطت من قبل بالإحسان إلى ابن السبيل وما مكلت أيمانكم) ثم يستمر فيصف هاتين الفئتين المختالتين الفخورتين بما تفهم منه أن المقصود بها هم اليهود والمشركون:
"الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا"وهؤلاء هم اليهود.
"وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا". وهؤلاء هم المشركون من قريش خاصة.
وكلاهما يشترك في صفة واحدة أنهم مختالون فخورون، هؤلاء بكتابهم وبأنهم -فيما يزعمون- شعب الله المختار، وهؤلاء بأموالهم التي يختالون بها على الناس، وينفقون منها -حين ينفقون- رئاء الناس.
وهكذا يعمل النص:"إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا"على"جبهتين"مختلفتين في وقت واحد إن جاز لنا التعبير، مرة ينفر من الاستعلاء على المستضعفين في المجتمع الإسلامي، ومرة ينفر من اليهود والمشركين.
ومرة أخرى قد تبدو لنا النقلة مفاجئة .. ولكننا نعود إلى السياق لنرى الارتباط.
لقد بدأ السياق بدعوة المؤمنين إلى عبادة الله وحده دون شريك:"وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا"ووجههم بعد ذلك إلى العمل بمقتضيات لا إله إلا الله ومن بينها الإحسان إلى الفئات المذكورة في السياق. حتى إذا جاء إلى ابن السبيل والرقيق نفر من الاستعلاء عليهم، لأنه مخالف لمقتضى لا إله إلا الله التي يؤمن بها المؤمنون. ومن ثم انتقل إلى فئتين من البشر لا تؤمنان بلا إله إلا الله ومن ثم لا تعملان بمقتضاها، وهما اليهود والمشركون. وهكذا يكون السياق كله مستمرًا في الحقيقة، ومنطلقًا من عبارته الأولى أو قضيته الرئيسية:"وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا".
ولكي تتأكد من اتصال السياق، وانطلاقه من قضيته الرئيسية تلك، فاقرأ الآيات التاليات: