الصفحة 321 من 379

والثالثة: التي أشرنا إليها في مدقمة الحديث عن هذه السورة، وهي أن الانتقال من الحديث عن العقيدة إلى الحديث عن الشريعة، أو من الحديث عن الشريعة إلى الحديث عن العقيدة ليس انتقالًا مفاجئًا كما يبدو لنا عند أول وهلة، وليس انتقالًا من موضوع إلى موضوع آخر مختلف عنه. إنما هو انتقال من بيان جانب من هذا الدين إلى بيان جانب آخر من ذات الدين. وهو في الوقت ذاته إشارة إلى أن هذا الدين كله سواء: العقيدة والشعيرة والشريعة والتوجيه. فالانتقال من واحد من هذه الجوانب إلى جانب آخر هو انتقال من نقطة إلى نقطة أخرى في ذات الموضوع، وهو تعليم من الله لعباده وتعريف بالحقيقة الشاملة لهذا الدين.

وتزداد حقيقة الترابط بين العقيدة وبين روابط الحياة وعلاقات المجتمع وضوحًا حين نستكمل قراءة النص:

"وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا".

فالتوجيه الأول توجيه عقيدي بحت، يشتمل على هذا الأمر بعبادة الله وحده دون شريك. ولكن يرتبط به مباشرة في ذات النص ذلك التوجيه بالإحسان للوالدين ولذي القربى واليتامى والمساكين. ولهذا نظائر في آيات أخرى من القرآن في العهد المكي والمدني سواء، وإن كان النص هنا يزيد الإشارة إلى الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ..

هذا الارتباط مقصود ولا شك وواضح الدلالة كذلك من ناحيتين:

الأولى: أن التوجيهات المنظمة لعلاقات المجتمع المسلم -من جميع نواحيها- تأتي منبثقة من العقيدة، كما أسلفنا.

والثانية: أن الرابطة التي تربط الناس في المجتمع المسلم هي رابطة العقيدة. فالجميع يلتقون من خلال لا إله إلا الله التي يؤمنون بها فيعملون بمقتضاها. ومن إيمانهم بلا إله إلا الله تتجمع قلوبهم ويتوحد اتجاهها، فتنشأ بينهم رابطة المحبة والمودة التي يأمر بها الإسلام.

وإنه لا شيء في الوجود يجمّع القلوب أقوى من العقيدة.

كل رابطة غيرها .. من جنس أو لون أو لغة أو مصالح مشتركة أو أماني مشتركة أو تاريخ مشترك .. إلى آخر تلك الروابط التي يقيم الناس وجودهم وتجمعهم عليها في الجاهلية، عرضة لأن تتفتت وتتشتت. ولكن رابطة العقيدة في الله هي الأثبت والأقوى والأدوم، لأنها أعمق في القلب، ولأنها لا تطلب شيئًا في المقابل، إنما تأتي تلقائية من إيمان كل مسلم بلا إله إلا الله، ومن ممارسته التلقائية لمقتضيات لا إله إلا الله. وواضح أن النص يجعل إقامة هذه العلاقات مع الوالدين وذوي القربى واليتامى والمساكين والجار وابن السبيل والرقيق من مقتضيات لا إله إلا الله، لأنها تأتي مباشرة في أعقاب الأمر الرباني:"وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا".. فتعطي الإيحاء بأن الله على درجة الإحسان التي يشير النص إليها. وإذا كانت الآية هنا قد خصت بالذكر فئات معينة من المجتمع، فذلك أولًا متناسق مع جو السورة التي تعنى عناية خاصة بالفئات الضعيفة أو المستضعفة في المجتمع بالإضافة إلى تنظيم العلاقات بين أولى القربى، وهو ثانيًا لا ينفي أن هذه العلاقة ذاتها مطلوبة على مستوى المجتمع الإسلامي كله، فإن الله لا ينفي في سورة الحجرات [10] :"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ"فيبين لنا نوع العلاقة التي ينبغي أن تشمل كل المؤمنين بلا إله إلا الله.

وأخيرًا يلفت نظرنا التعقيب الأخير في الآية:"إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت