فهرس الكتاب
الأولى: أن هذا الخيط الذي ينتظم الأحكام والتشريعات والتوجيهات هو خيط العقيدة:"اتَّقُوا رَبَّكُمُ".."وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا". إنه الأساس الذي يقوم عليه المجتمع الإسلامي. وتقوم عليه كل حياة الفرد المسلم. وإن بدء هذه المجموعة من التوجيهات والتشريعات الاجتماعية بتوجيه عقيدي ثم اختتامها بتوجيه عقيدي آخر لهو واضح الدلالة في أن العقيدة هي البدء وهي النهاية وهي الأساس الذي يقوم عليه كل البناء.
الثانية: أن في الإسلام ولا شك نظمًا وتنظيمات اجتماعية واقتصادية وسياسية تشمل حيزًا غير قليل من القرآن وحيزًا أكبر من السنة، ولكن الإسلام مع ذلك ليس"نظامًا"بالمعنى المفهوم في"النظام"الديمقراطي أو الشيوعي أو الـ ...
إنه عقيدة أولًا، ونظام بعد ذلك منبثق من العقيدة. وذلك واضح من بدء التنظيمات المشار إليها بذكر العقيدة ثم اختتامها بذكر العقيدة، فهذا تذكير وتوكيد بأن"النظام"ليس هو الأساس، إنما العقيدة هي الأساس. وتلك مزية النظام الإسلامي على غيره من النظم الجاهلية ولو حققت للناس بعض النفع في المدى القريب ..
إن بعض الشباب المتحمس لنشر الدعوة الإسلامية في الغرب، والذي يغريه أن الفراغ الذي يعانيه الغرب اليوم بجعله أكثر تقبلًا للإسلام من ذي قبل .. ليلح في أن يكون طريق الدعوة الإسلامية في الغرب هو بيان مزايا"النظام"الإسلامي دون الحديث عن العقيدة بادئ ذي بدء، لأن الغرب مغرم بالنظم والتنظيمات، وإذا لم نحدثه عن"النظام"الإسلامي فلن يقتنع بدعوتنا ..
نعم! ولكن المزية الأولى في هذا النظام الإسلامي أنه قائم على العقيدة! فكيف نغفل هذه المزية ثم نزعم أننا نريد أن نتحدث عن مزايا النظام؟!
إن القول بأن الغرب ليس على استعداد للكلام في العقيدة أو الدخول من باب العقيدة ليس صحيحًا أولًا، بدليل من دخل منهم في البوذية -وهي"عقيدة"أياّ كان لونها، وليست نظامًا على الإطلاق! - ومن يستجيب منهم إلى دعوة"كريشنا"وغيرها من الدعوات [1] ! ثم إنه إن كان صحيحًا ثانيًا فليس هذا مبررًا لأن نلوي عنق الإسلام ليوافق انحرافهم، تأليفًا لقلوبهم لكي يدخوا الإسلام! إن باب الإسلام هو العقيدة، ومن لم يدخل من هذا الباب وإنما دخل من باب"الإعجاب"بالنظام فهو عرضة لأن تفتته"النظم"في أية لحظة فيرتد عن الطريق!
وأوربا لا تنقصها النظم -من حيث هي نظم- ولا التنظيمات من حيث هي تنظيمات. إنما تنقصها العقيدة التي نرد إلى روحها الأمن والطمأنينة بادئ ذي بدء وترد عنها القلق والضياع الذي يفتت حياتها، ثم تردها عن اعتناق النظم الجاهلية التي تمارسها فتؤدي بها إلى الخلل والاضطراب، وذلك حين تقتنع -عقيدة- بأن البشر لا ينبغي لهم أن يشرعوا من عند أنفسهم، إنما يشرع لهم الله، وأنه من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ..
فالعقيدة أولًا، والعقيدة آخرًا، والعقيدة هي الأساس .. بالضبط كما يتضح من هذا النص القرآني في سورة النساء [2] .
ولا نحتاج أن نبين هنا -فقد بينا في مواضع أخرى- كيف يكون النظام القائم على العقيدة آكد في حياة الناس من النظام الذي هو مجرد نظام، ويكفي مثلًا لذلك حيرة"النظام"الأمريكي في مسألة الخمر مقارنة بما حدث عند تحريم الخمر في المدينة، وحيرة ذلك النظام في قضية التفرقة العنصرية وكيف كان وضع بلال -رضي الله عنه- وأمثاله في المجتمع الإسلامي!
(1) يلفت النظر في شوارع لندن شباب من الإنجليز حليفو الرأس إلا من خصلة شعر واحدة يدعون إلى اتباع"كريشنا"بوصفه"دينًا"جديدًا يدخلون فيه.
(2) وفي كثير من النصوص القرآنية الأخرى بطبيعة الحال.