الصفحة 319 من 379

وإن الله لهو المربي -سبحانه- الذي ينظر من سماواته إلى المجتمع البشري كله، ويضع القواعد والتوجيهات التي يعلم سبحانه أنها تؤدي إلى اسقامته وصلاحه. فهو لا يضع هذه التوجيهات لإرضاء غرور الرجل ولا لإذلال المرأة! فليس أحدهما أقرب إليه من الآخر إلا بالتقوى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" [1] .

إنما يضع الله هذه التوجيهات ليصبح كل شيء في مكانه في هذه الخلية ذات الأهمية الحيوية في بناء المجتمع، ليتكون منها ومن مثلها في النهاية مجتمع صالح يقوم بدور الخلافة في الأرض دون معوق، وينطلق في عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني، تكفي فيه الموعظة، ولا بد من إجراء آخر أفعل من الأول وأبلغ تأثيرًا وهنا يأتي الأمر الرباني، ويربي في الوقت ذاته جيلًا قادمًا يتابع السير في الطريق القويم.

"وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ...".

لأول وهلة يبدو كأن هناك انتقالًا مفاجئًا في السياق!

لقد ظل السياق يعالج أمور المجتمع بلا انقطاع من بعد الآية الأولى التي تشير إلى موضوعات السورة الرئيسية، فتحدث عن اليتامى واليتيمات خاصة، وعن مهور النساء، وعن السفهاء وأموالهم، ثم عن اليتامى عودًا على بدء، ثم عن الميراث وأنصبته، ثم عن الذين يأتون الفاحشة من النساء والرجال، وعن منهج التعامل في داخل الأسرة، ثم عن المحرمات من النساء وعمن يحل منهن، ثم عن الطريقة السليمة لتداول المال في المجتمع المسلم وعن النهي عن قتل النفس، ثم النهي عن تمني ما فضل الله به بعض الخلق على بعض، ثم عن القوامة والنشوز وطريق الإصلاح بين الزوجين عند خشية الشقاق.

ثم -فجأة فيما يبدو لأول وهلة- يقول:"وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ..".

ولكن المفاجأة غير قائمة في الواقع كما بينا من قبل. ولنعد إلى أول السياق:

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا".

"وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا".

هل تحس -على هذا النحو- أن هناك مفاجأة في السياق؟!

حقيقة أن الآيتين ليستا متواليتين، وأن بين الأولى والثانية أربعًا وثلاثين آية كاملة شغلت كلها بالموضوعات التي ذكرناها آنفًا. ولكن هناك معنى يبرز من خلال جريان السياق على هذا النحو، يتضح لنا حين نعود إلى السياق مرة أخرى لنرى أن هذه الآيات الأربع والثلاثين قد وضعت في هذا الإطار:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ...""وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا .."فكأنما الإطار المحيط بها، وبكل ما تحويه من أحكام وتوجيهات، هو تقوى الله وعبادة الله وحده دون شريك، أو قل إنه الخيط الذي ينتظمها جميعًا من أولها إلى آخرها، فهي جميعًا مشمولة به، وهي معلقة به كذلك.

ونريد أن نبرز هنا بعض نقاط.

(1) سورة الحجرات: 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت