فهرس الكتاب
والآية تصف الصالحات بأنهن قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله. فتبرز خير الصفات التي تتجلى بها الزوجة الصالحة، والتي تقوم عليها في الوقت ذاته الأسرة المسلمة. فهذا القنوت لله هو الباب الحقيقي الذي تدخل منه السكينة إلى البيت، وتتحقق به الآية الربانية:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً" [1] ذلك أن النفس القانتة لله نفس رضية سخية مسالمة مستقيمة للحق غير محبة للمشاكل ولا النزاعات.
وأما الحفظ للغيب"بما حفظ الله"الذي يشمل حفظ العرض وحفظ المال وحفظ أسرار الزوجية وأسرار الأسرة فهو التكملة التي تثبت أركان السلام في البيت، وتكمل الصورة الوضيئة للزوجة الصالحة والأسرة الهانئة السعيدة التي يحرص الإسلام على أن تكون هي بنية المجتمع كله، فيكون مجتمعًا سليمًا مترابطًا تنشأ منه أمة مترابطة.
أما الزوجة الناشز فلها وضع آخر ..
"وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ...".
إن الأسرة لا تؤدي وظيفتها الحيوية في حالة وجود النشوز من الرجل أو المرأة سواء. لا هي تعطي السكن والسكينة، ولا هي تحقق معنى المودة والرحمة. ولا هي تعطي الجو الطبيعي لتربية النشء على النسق الإسلامي السليم. ولا بد إذن من إجراء يزيل هذا النشوز ويصلح أمره. وهذه الآية [34] تتحدث عن العلاج في حالة نشوز الزوجة، بينما تتحدث آية [128] عن نشوز الزوج.
أولى درجات الإصلاح هي الموعظة، وأمرها واضح لا يحتاج إلى بيان.
ولكن الموعظة قد لا تفلح. ومعنى ذلك أن الميل إلى النشوز أكبر قدرًا من أن تكفى فيه الموعظة، ولا بد من إجراء آخر أفعل من الأول وأبلغ تأثيرًا. وهنا يأتي الأمر الرباني:"وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ".
والله أعلم بمن خلق .. إن قومًا قد يخيل إليهم أنه ما دام التأديب بالضرب قد ورد في الآية، فقد كان الطبيعي أن يأتي دوره بعد الموعظة، ويكون الهجر في المضاجع عقوبة أخيرة!
ولكن الترتيب في الآية مقصود: الموعظة أولًا، ثم الهجر في المضاجع، ثم الضرب (وقد بيّن الرسول -صلى الله عليه وسلم- صورته، فأمر بأن يكون ضربًا غير مبرح، وأن يتقي فيه الوجه) .
إن الله العليم بمن خلق يعلم أن بعض النساء قد يدعوهن إلى النشوز اعتزازهن بجمالهن وجاذبيتهن، وشعورهن بمدى تأثيرها على رجالهن! فتتدلل الزوجة وتنشز عن أمر زوجها اتكالًا على ما لها من رصيد من الجاذبية هو -في ظنها- لا يقاوم!
وهنا يأتي العلاج من نوع الداء:"وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ"ليعلمن أن الأمر جد، وأن هذا الرصيد الذي ينشزن به لا فاعلية له في موقف الجد. وذلك يكفي لأن تعتدل المائلة التي أمالها الدلال!
وفي الأخير يأتي العقاب البدني لمن لم تصلحها الموعظة ولا الهجر في المضجع .. إنه إذن نشوز حاد يحتاج إلى تأديب من نوعه. يحتاج إلى الشعور بأن هناك"سلطة"تملك التأديب وتمارسه بالفعل! ومن النفوس من لا يصلح شأنه إلا على هذا النحو.
وليست المسألة مجرد ممارسة الرجل لسلطانه، واستعلائه على المرأة كما يتصورها الجاهليون المعاصرون وهم يقرأون هذه الآية. إنها تربية وإصلاح. إصلاح لأمر المجتمع كله مبتدئًا بالفرد وبالأسرة.
(1) سورة الروم: 21.