فهرس الكتاب
لقد كثر المنحرفون والمنحرفات من الأولاد والبنات في المجتمع الغربي، وكثر كذلك الشذوذ. ونشطت المؤتمرات"العلمية"تبحث هذه الظاهرة الخطيرة، وقام علماء النفس وعلماء الاجتماع وعلماء الجريمة وعلماء القانون وعلماء ... بالدراسة والتشخيص. وأخيرًا قالوا إن هناك عوامل كثيرة أدت إلى هذه الظاهرة المرضية المزعجة، وإن من بين الأسباب المهمة في هذا الشأن غياب سيطرة الأب من جو الأسرة نتيجة ممارسة المرأة لحريتها وتطلعها الشديد إلى المساواة مع الرجل!
ولا نحتاج نحن أن نعلق على هذا الأمر بأكثر من أن هذا هو قانون الفطرة كما خلقها الله! وأن هذا القانون حين يخالفُ اتباعًا للهوى والشهوات تنتج عنه في حياة البشرية تلك الأمراض وتلك الانحرافات. وأن الإسلام -في هذا الأمر، وفي كل أمر- هو دين الفطرة القويمة كما خلقها الله:
"فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" [1] .
ولكن أمرًا آخر يستوقفنا في النص:"وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ..".
إن هذا النص يستوقفنا بصفة خاصة بعد أن"تحررت"المرأة اقتصاديًا وصارت تنفق أو تشارك في الإنفاق، ثم رفضت قوامة الرجل عليها، وكان من وراء ذلك ما كان من فساد الأجيال ..
هل كان من أجل ذلك تكليف الرجل بالإنفاق وعدم تكليف المرأة؟!
إننا ندرك ولا شك أن الإسلام قد أعفى المرأة من البحث عن الرزق، ولم يضع عليها شيئًا من التكاليف المادية في الأحوال العادية لكي تتفرغ لشئون الأسرة غير مشغولة الأعصاب بالعمل أو الإنفاق. ولكن تجربة الجاهلية المعاصرة تشد انتباهنا شدًا إلى النتائج التي تترتب على قيام المرأة بالإنفاق، بحيث لا نستطيع أن نغفل هذه الزاوية من الموضوع.
وليس المعنى هو أن المرأة ينبغي أن تحرم من الملك لكي"تخضع"للرجل كما يقول التفسير المادي للتاريخ بشأن وضع المرأة في المجتمع الزراعي ..
كلا! إن الإسلام لا يحرم المرأة من الملك، ولا من التصرف بأهلية كاملة فيما تملك، وهو الحق الذي ظلت الجاهلية الأوربية تحرم المرأة منه إلى عهد قريب جدًا في هذا القرآن العشرين!
المسألة أن الإسلام لم يكلفها بالإنفاق مهما كانت أموالها الخاصة [2] ، وكلف الرجل وحده بالإنفاق. وتجرية القرن العشرين تقول لنا أن المرأة حين تشعر أنها مكلفة بالإنفاق يضطرب نظام الأسرة وتضيع الأجيال!
ثم تبين الآية صورة الحياة داخل الأسرة في نطاق الفطرة السوية:
"... فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ".
إن الصالحات ترضى نفوسهن وتستريح إلى وضع الفطرة السوية، فيجدن كيانهن كاملًا في حياة الأسرة بوضعها الذي يحدده دين الفطرة، بإلقاء تبعة القوامة على الرجل وقيامه بأعبائها المالية والنفسية على السواء. وإن المعاشرة بالمعروف لهي جزء من هذه التبعة ولا شك. فليست القوامة تجبرًا وغطرسة، ولا فرضًا للإرادة بالحق وبالباطل كما يمارسها بعض الرجال بمشاعر جاهلية بحتة. فالمسلم السوي يمارس السلطة بشعور التبعة لا بشعور الاستعلاء [3] . ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الأسوة والقدوة في كل خلق إسلامي، وهو -صلى الله عليه وسلم- الذي يقول:"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" [4] .
(1) سورة الروم: 30.
(2) إلا إذا أنفقت متطوعة بغير تكليف.
(3) تحمل الآية في الحقيقة نهيًا صريحًا عن البغي بالسلطة:"فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا"ونهيًا ضمنيًا عن الاستعلاء في قوله تعالى:"إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا".
(4) أخرجه ابن ماجه.