فهرس الكتاب
إن الوحدة الحية التي يقيم عليها الإسلام بناء مجتمعه هي الأسرة. والإسلام شديد الحرص على الأسرة لأهداف ومعان لا تخفى. ليس أقلها تهيئة الاستجابة النظيفة لدوافع الفطرة لكي لا تتحول إلى طريق الفاحشة. وليس أقلها تهيئة المحضن الطبيعي لتربية النشء تهيئة إسلامية سليمة. ومن بينها كذلك تهيئة المدد البشري الدائم لهذا المجتمع الذي يحوطه الأعداء من كل جانب يريدون القضاء عليه، والذي يعيش في جهاد دائم في سبيل الله لنشر دعوته وإقامة حكم الله في الأرض:"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه" [1] .
من أجل ذلك فإن الإسلام لا يستريح لتعطيل وظيفة الأسرة في المجتمع الإسلامي. ولذلك يعطي الإيحاء بأن هذا المكان لن يظل خاويًا إذا حدث الخلاف الذي يؤدي للانفصال، وإنما يُملأ المكان على التوّ. فتستخدم الآية لفظ"استبدال"لتوحي بأنه أمر يتم في الحال! خرجت من"وظيفة"الأسرة زوجة لأن التفاهم معها أصبح متعذرًا، ولم تعد الرابطة تؤدي مهمتها:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً" [2] ..
حدث ذلك رغم الحرص والصبر، إذن فلتأخذ"الوظيفة"زوجة جديدة تملأ الفراغ، ولا تعود الوظيفة معطلة لسبب من الأسباب.
وهكذا كانت نظرة المجتمع الإسلامي الأول على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالنسبة للرجل والمرأة على السواء. وقد رأينا كيف يسعى عمر -رضي الله عنه- في جدية كاملة إلى تزويج ابنته حفصة، فيعرض الأمر على أبي بكر وعثمان -رضي الله عنهما-، شعورًا منه بأن هناك وظيفة معطلة في المجتمع ينبغي أن تأخذ وضعها الطبيعي في الحال.
"الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا".
في معرض عناية الإسلام بالأسرة، وتنظيمه تنظيمًا دقيقًا لكل علاقاتها لكي تؤدي وظيفتها الحيوية في المجتمع .. يجيء ذكر القوامة، ويحدّد من يقوم بها في الأسرة.
إنه -بادئ ذي بدء- لا بد من قوامة وإلا انفرط عقد الأسرة وساءت فيها الأحوال ولم تعد تؤدي وظيفتها.
وإذ تقرر ذلك فقد بقيت قضية الجانب الذي توكل إليه القوامة: أهو الرجل أم المرأة؟
والقضية في صورتها الإسلامية ليست منافسة ولا تسابقًا بين الجنسين كما تثيرها الجاهلية المعاصرة. فما أوجد الله الجنسين ليقوم بينهما الصراع والشقاق، وإنما ليوجد السكن والسكينة وتوجد المودة والرحمة كما أشارت الآية التي ذكرناها آنفًا من سورة الروم [21] :"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً".
إنما القضية هي تكاليف يكلف بها الأصلح في جميع الأحوال.
فأي الجنسين أصلح أن"يكلف"بالقوامة ويقوم بتبعاتها؟
لقد تحدثت في كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام"عن هذه القضية بما يغنيني عن إعادة الحديث في هذا الموضع [3] . ولكني أضيف كلمة سريعة بشأن أمر جدّ في حياة الجاهلية المعاصرة ما بين ذلك الكتاب الأول وهذا الكتاب.
(1) سورة الأنفال: 39.
(2) سورة الروم: 21.
(3) فصل"المشكلة الجنسية".