فهرس الكتاب
الأولى عند قوله تعالى:"وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا".
والتوجيه في الآية واضح لا يحتاج منا إلى بيان .. ولكنا نقول فقط إن الإسلام كلّ كامل، لا يؤخذ منه جزء ويترك جزء. ولا يركّز فيه على جانب ويهمل منه جانب آخر. فإذا كان الإسلام قد أوجب على المرأة أن تطيع زوجها، فإن هذا الواجب يقابله واجب آخر من جانب الرجل هو المعاشرة بالمعروف. وبهذا يتوازن الأمر، وتتوازن الحقوق والواجبات، ويكون التطبيق الصحيح للإسلام. فأما حين يستبد الرجل بحقه ولا يؤدي ما عليه من واجب، فإنه يكون فيه من الجاهلية بقدر ما يحيد عن أوامر الإسلام. وقد كان في واقع المجتمع الإسلامي في العصور الأخيرة خاصة من ارتد إلى سلوك الجاهلية في هذا الجانب وبعد عن طريق الإسلام. واستغل أعداء الإسلام من داخله وخارجه هذا الوضع ليثيروا قضية للمرأة، ينفخون فيها لينفذوا من طريقها إلى تحطيم التقاليد الإسلامية والمفاهيم الإسلامية، وفي النهاية يحطمون هذا المجتمع جملة لكيلا يبقى على وجه الأرض دين، ولا يبقى هذا الدين بالذات.
وكون المرأة كانت تعاني وضعًا مجحفًا في المجتمعات الإسلامية المتأخرة [1] حقيقة لا شك فيها، يحمل وزرها أولئك الرجال الذين انتكسوا إلى الجاهلية في معاملتهم لنسائهم. ولكن الذين أثاروا"القضية"كانوا يقولون كلمة حق يراد بها باطل. وكان وراءهم من وراءهم من أعداء الإسلام يدفعونهم لا لتصحيح الأوضاع في المجتمع، وإنما لتدميره والقضاء عليه. وقد رأينا في عالم الواقع كيف صارت"القضية"وأيّ شيء أدت إليه! والعلاج الصحيح دائمًا هو دين الله، بشرط أن يؤخذ كله كما أنزل الله، بكل توجيهاته في كل اتجاه! والتوكيد على معاشرة المرأة بالمعروف واضح في النص شديد الوضوح، يؤكده التعقيب في الآية:"فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا". وهو توجيه مزدوج، للاستمرار في المعاشرة بالمعروف حتى مع الكراهية إن حدثت، والاستمرار كذلك في الإبقاء على رباط الزوجية وعدم فصمها عند أدنى تحول في مشاعر القلوب.
والوقفة الثانية عند قوله تعالى:"وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ ..".
إنني ألمح في النص إيحاء معينًا: أن مكان الزوجية لا ينبغي أن يترك خاليًا لأي سبب من الأسباب!
لقد كانت الآية السابقة تتحدث عن الكره وما يمكن أن ينتج عنه من انفصال. وكانت التوصية في الآية ألا يسارع الرجل إلى فصم رباط الزوجية عند أول بادرة من تحول المشاعر، فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا. والآية الثانية تشير إلى الحالة التي يتم فيها الانفصال في نهاية المطاف رغم التوصية ورغم الحرص .. فماذا تكون النتائج؟ هل يحدث الانفصام ويظل المكان خاويًا؟
هذا الذي توحي الآية بأنه لا ينبغي أن يحدث!
(1) نقصد المتأخرة في الزمن، ونقصد كذلك في ذات الوقت أنها متأخرة عن الفهم الإسلامي الصحيح. والمجتمع الإسلامي إما أن يطبق الإسلام الصحيح فيكون متقدمًا ومتحضرًا، وإما أن يحيد عنه فيتأخر ويتخلف في كل جانب.