فهرس الكتاب
وقال السدي في الآية: إن رجالًا قالوا: إنا نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر الشهداء كما لنا في السهام سهمان! وقالت النساء: إنا نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الشهداء، فإننا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا! فأبى الله ذلك، ولكن قال لهم: سلوني من فضلي. قال: ليس بعرض الدنيا ...
ومع اختلاف الروايات بشأن نزول الآية، فإنها تذكر نوعًا من التنافس على"الحقوق والواجبات"بين الرجال والنساء، ولكنه على أي حال يختلف في هدفه ومستواه عن قضية المساواة في الجاهلية المعاصرة.
ومن ناحية أخرى تذكر الآية أن الله لم يستجب لذلك التنافس -أو ذلك التمنّي كما تسميه الآية- حتى وإن كان في بعض الروايات يرتفع إلى الأفق الأعلى .. إلى تمني الشهادة في سبيل الله للفوز بالأجر في الآخرة، وإنما قال لهم:"وَاسْأَلُوا اللّهَ مِن فَضْلِهِ ..".
إن الله - من رحمته- لم يجعل الأجر عنده وقفًا على نوع معين من العمل يتاح لأحد الجنسين ولا يتاح للآخر. إنما الأجر على الوفاء بالتكليف أيًّا كان التكليف:"لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ".
فكل من الجنسين خلقه الله لمهمة معينة يؤديها في الأرض، ووهب له المواهب اللازمة لهذه المهمة ثم كلفه تكاليفها. ومن بين تكاليف الرجال -أو في القمة منها- الجهاد في سبيل الله. الذي يؤدي في بعض الأحوال إلى الشهادة. ومن بين تكاليف النساء -أو في القمة منها- رعاية البيت وتربية النشء على الإسلام وعلى طاعة الله.
ثم إن الله يعطي أعلى درجات الأجر لكل من الرجل والمرأ في ميدانه الأصيل: الرجل على استشهاده في سبيل الله، والمرأة على حسن قيامها ببيتها وزوجها وأولادها. ومن ثم فلا ضرورة للمرأة أن تقوم بعمل الرجل لتحصل على أجره، إنما هي تحصل على ذلك الأجر -وهو الجنة- من خلال عملها الخاص وتكاليفها الخاصة، مع المحافظة على توزيع الاختصاصات في المجتمع، وعدم الإخلال بمهمة من مهامه الأصيلة كما تفعل الجاهلية المعاصرة حين تفسد الأسرة والمجتمع والأخلاق بل تفسد الفطرة من حيث هي فطرة، بدعوة المساواة بين الجنسين.
والتعقيب في الآية يشير إلى ذلك:"وَاسْأَلُوا اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا".
فهو -سبحانه- يعلم كيف يستقيم حال المجتمع البشري حين يقوم كل جنس من الجنسين بتكاليف وظيفته الفطرية، وكيف يختل حاله ويضطرب حين يأخذ أحد الجنسين مكان الآخر.
لذلك يأبى -سبحانه- تلك الفوضى التي تنشأ من ذلك"التمني"فضلًا على تحقيق ذلك التمني في عالم الواقع. ويوجه الناس -رجالًا ونساء- أن يسألوا الله من فضله، وهو معطيهم من فضله حين يتطلعون إلى ذلك الفضل من وجهه الصحيح.
ولئن كان الناس قد تمنوا، فقد ردّ القرآن عليهم ينهاهم عن ذلك التمني، فانتهوا عنه لأنهم كانوا مسلمين، يسعون إلى طاعة الله ومرضاته. ويحكمون رغباتهم الخاصة -أو حتى أهواءهم- بأوامر الله وتوجيهاته، فتستقيم نفوسهم على الطريق. فما أتعس نساء جاهليات يطالبن اليوم -ويطالب لهن رجال جاهليون- بالمساواة في الميراث، ويقال لهم -وهم يحملون أسماء مسلمة- إن الله يأبى ذلك فيقولون: ولكنا نحن نريد!
ما أتعسهم .. وما أصبرهم على النار!
".. وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ..".
نقف عند هاتين الآيتين وقفتين سريعتين: