فهرس الكتاب
وقد كانت الجاهلية العربية لا تورّث النساء أصلًا، فجاء الإسلام فقرر للمرأة هذا الحق ونصّ عليه نصًا مشددًا:"مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا". ولم يكن ذلك لأنه قد ثارت في ذلك المجتمع الجاهلي"قضية"للمرأة ولا مطالبة منها"بحقوق المرأة"! وإنما لأن هذا هو العدل الرباني الذي يريده الله، ويمنحه لعباده رجالًا ونساء دون أن يطالبوا به، ويبذلون في سبيل المطالبة به أرواحهم وأعراضهم وأخلاقهم وإنسانيتهم! وقد تقرر هذا الحق منذ أنزلت هذه الآية وضمنته المحاكم التي تحكم بشريعة الله، دون أن يحتاج الأمر إلى"حركة نسائية"واحدة مما تعجّ به الجاهلية لاستخلاص الحقوق، ويبذل فيها ما يبذل مما يعرفه الرجال والنساء على السواء!
أما توزيع المال الموروث فقد بيّنته الآيتان الحادية عشرة والثانية عشرة من السورة بالإضافة إلى الآية الأخيرة [176] التي تضمنت مزيدًا من البيان بشأن"الكلالة".
وليس من شأننا هنا أن نتعرض للأحكام الواردة في السورة فذلك أمر خارج عن هدف الكتاب. ولكنا نقف وقفة قصيرة عند نسبة التوزيع في المال الموروث:"لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ".
لقد ثارت في الجاهلية المعاصرة منذ الثورة الصناعية"قضية"للمرأة نشأت من أن هذه الجاهلية شغلت النساء في المصانع (لأمر يراد!) ثم أعطتهن نصف الأجر الذي تعطيه للعمال من الرجال. ومن هنا قام النساء بالمطالبة بالمساواة في الأجر، ومن ثم بدأت القضية التي اتسعت -أو وُسِّعت- لتصل إلى المساواة في كل شيء، وفي حق الفساد بصفة خاصة. أي"حق"المرأة في أن تهب نفسها لمن تشاء وفي أي صورة تشاء! [1] .
وشتان بين هذا الأمر وذاك.
إن الإسلام يعطي المرأة نصف الرجل في المال الموروث فحسب، الذي لم يبذل فيه جهد، وعلى أساس واضح هو أن الرجل يأخذ نصيب الضعف ويكلف بالإنفاق، ومن بين من تجب النفقة منه عليهم المرأة التي يتزوجها والأم والأخت التي لا عائل لها، أما المرأة فتأخذ نصف الرجل ولا تكلف بالإنفاق على أحد إلا نفسها في الأحوال العادية. ومن ثم فهو حق مقابل تكليف.
أما المال المكتسب -الذي ثارت من أجله قضية المرأة في الجاهلية المعاصرة- فإن الإسلام لم يتعرض له على الإطلاق ولم ينتقص من حق المرأة كاملًا فيه، لأنه جهد بشري مبذول، وحين يتعادل الجهد يتعادل الجزاء. ومن أجل ذلك لم تثر للمرأة قضية في شأن المال المكتسب في ظل الإسلام لأنه لا قضية! بينما المرأة العاملة في انجلترا ما تزال إلى هذه اللحظة تأخذ أجرًا أقل من زميلها الذي يعمل معها في نفس المكان.
أما قضية المساواة المطلقة فقد ثارت بالفعل في نفوس بعض المسلمات المؤمنات؛ ولكنها كانت على أفق أعلى بكثير من الأفق الذي تثار فيه في الجاهلية المعاصرة، والذي يعني في خلاصته حق المساواة في الفساد!
ثارت بشأن المساواة في الأجر في الشهادة، والمساواة في الميراث، وإلى ذلك تشير الآية [32] :
"وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا".
روى ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردوية والحاكم في مستدركه، من حديث الثوري، عن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا نقاتل فنستشهد، ولا نقطع الميراث .. فنزلت الآية .. ثم أنزل الله:"أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى ..".
(1) راجع إن شئت كتاب"معركة التقاليد"أو كتاب"التطور والثبات"وراجع في ذات الوقت"بروتوكولات حكماء صهيون"!