الصفحة 312 من 379

قد يبدو لأول وهلة أن المقصود في الآية هو ألا تعطوا أموالكم للسفهاء (إن كانوا من مستحقيها بالوراثة مثلًا) ولكن الحكم في الحقيقة يسري على ما في أيدي السفهاء من أموالهم التي يملكونها بالفعل، وهنا موضع الدلالة في الآية. إنه لم يقل: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم .. وإنما قال:"وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ"حتى وإن كانت هي أموالهم في الحقيقة، ولكن حق التصرف فيها يرجع -في حالة السفه- إلى الجماعة المسلمة، أن التصرف في المال حق لصاحب المال في حالة حسن القيام عليه، أما إذا أساء استعماله فهو ملك له لا يزال، ولكن حق التصرف فيه ينتزع منه ويعطى للجماعة المسلمة فتصبح هي صاحبة الحق الأول فيه.

وفي هذا يبدو لون من التوازن الإسلامي في مقابل الجاهليات عن يمين وعن شمال!

فإحدى الجاهليتين تعطي حق التصرف في المال للفرد أيًّا كان سلوكه فيه، وأيًّا كانت الأضرار التي يمكن أن تنتج عن تصرفه في حق الجماعة.

وأما الجاهلية الأخرى فتحرم الفرد أصلًا من حق التصرف بل من الملك ذاته بحجة أنه متى مَلَك فسوف يسيء التصرف في حق الجماعة!

والنظام الرباني المتوازن لا يحرم الفرد من الملك ولا من حق التصرف السليم فيما يملك، لأن ذلك أدعى إلى تنشيط الحافز الفردي للعمل والإنتاج وعمارة الأرض، وفي الوقت ذاته يعطي الجماعة المسلمة حق التصرف في المال إذا سفه مالكه أي لم يحسن التصرف فيه، ويضع في حسابه أن هذا السفه يضرّ بمصالح الجماعة فيقول:"وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاما"أي جعل حياتكم تقوم عليها، فيقرر -مع رد حق التصرف في مال السفيه إلى الجماعة- أن مصالح الجماعة مرتبطة بحسن القيام على هذا المال.

وتبين بقية الآية ما يجب على الجماعة في سلوكها نحو صاحب المال الذي سفه فأخذت الجماعة عنه حق التصرف في ماله:

"وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا".

فليست المسألة إذن انتقامًا تصبه الجماعة على رأس ذلك السفيه! وإنما هو تقويم ورعاية للمصالح الفردية والجماعية في آن واحد فالجماعة تتصرف في المال على النحو الذي كان ينبغي على صاحبه في حالته السوية أن يتصرف به، وتصون له ماله من الضياع لأن ضياعه لا يخصه وحده، وإنما يخص الجماعة التي ترتبط مصالحها في مجموعها بهذا المال وحسن القيام عليه.

ويلفت نظرنا كذلك هذا التعبير:"وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا .."مقابل قوله تعالى بالنسبة لمن يحضر القسمة من أولي القربى واليتامى والمساكين في الآية الثامنة:"فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ ..".

فالأولى توحي باستمرار الإنفاق عليهم من مالهم الذي تولت الجماعة بنفسها حق التصرف فيه، بينما الثانية مرة واحدة وتنتهي عند تقسيم المال بالميراث.

وهكذا يقرر القرآن في آية واحدة موجزة: أهمية العامل الاقتصادي في حياة الجماعة، وطريقة التصرف في المال بما يحفظ حق الفرد وحق الجماعة ويوازن بينهما في آن واحد .. وذلك من الإعجاز.

من بين ما تشتمل عليه هذه الآيات كذلك تقرير حق الميراث للرجل والمرأة على السواء:

"لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت