فهرس الكتاب
ويكثر الحديث عن موضوع تعدد الزوجات في الوقت الحاضر، في الحملات التي يراد بها فتنة المسلمين عن دينهم، وتحكيم شرائع أرضية بدلًا من شريعة الله. ولقد تحدثنا في موضع آخر عن هذا الموضوع [1] ، وما بنا من حاجة إلى تكرار القول في مجالنا الحاضر. ولكنا -في إيجاز- نقف عند بعض النقاط:
أولًا: هل الأصل الذي تشير إليه الآية هو التعدد أو الوحدانية؟
ظاهر اللفظ هو -إباحة التعدد ولا شك. ولكن القيد الوارد في عجز الآية- وهو العدل- قيد ليس بالهين في الحقيقة، يدل على ذلك أن الخطاب موجه للعموم، وليس بالنسبة لبعض الناس فحسب.
لذلك فإن الآية توحي إليّ كلما قرأتها بأنها مثل كل توجيهات القرآن التربوية الأخرى، تجعل الإباحة هي الأصل، ثم تضع من القيود على هذه الإباحة ما يضيّق مجالها إلى الحد الذي تستقيم به الحياة في أفقها الأعلى:
"وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا" [2] .
"وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ" [3] .
"وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنّ" [4] .
فالتوجيه في اعتقادي هو إلى الوحدانية، وإن كان التعدد مباحًا بكل تأكيد.
ثانيًا: أن التعدد لا بد أن يحدث في المجتمع السوي لجملة أسباب، من أهمها أن عدد النساء أكبر دائمًا من عدد الرجال حتى في حالات السلم، ولكن الفرق يزداد في حالات الحرب، لأنها -دائمًا- تقتل من الرجال أكثر مما تقتل من النساء، والحرب الحديثة التي تنشر الدمار على الجميع محاربين وغير محاربين ليست استثناء من ذلك، لأن التركيز في القتل ما زال منصبًا على الجيوش المحاربة ومعظمها من الرجال. ونتيجة ذلك أنه إن لم يكن التعدد مباحًا ومشروعًا فستظل مجموعة من الإناث لا ينلن حقهن الفطري أبدًا ولا ينلنه إلا عن طريق غير مشروع، وفي كلتا الحالتين التي لا تستنكر تعدد الزوجات لا تستنكر الصداقات غير المشروعة، بل تدعو إليها وتيسّر لها! ولقد شهدت بنفسي في المدينة الجامعية بباريس كيف حُظِرَ على أحد الطلاب أن يستصحب زوجته معه في المسكن الجامعي فاضطر إلى إخلائه، بينما تبيح إدارة المدينة للطلاب أن يستصحبوا ما شاءوا من الصديقات يبتن معهم في البيوت الجامعية بغير حرج على الإطلاق! [ونفس الحق ممنوح بالطبع للطالبات!] .
إنه المسخ الذي لا تفسير له إلا الجاهلية! الجاهلية التي تتعمد أن تتنكب النظافة حيثما واجهتها، وتصر على الدنس والقذارة حيثما وجدت سبيلًا إليها!
"أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون" [5] .
"وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا .." [6] .
وهذا الدنس الذي تمارسه الجاهلية ليس هو الذي يستطيع أن يرتفع إلى رؤية النظافة الحسية والشعورية في شريعة الله، وليس هو الذي تأخذه البشرية بديلًا من شريعة الله!
قضية أخرى تلفت نظرنا في سياق هذه الآيات.
"وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاما".
(1) انظر كتاب"شبهات حول الإسلام"فصل"الإسلام والمرأة".
(2) سورة الأعراف: 31.
(3) سورة الإسراء: 33.
(4) سورة النور: 60.
(5) سورة الأعراف: 82.
(6) سورة الأعراف: 146.