الصفحة 346 من 379

ويخرج عن مجالنا هنا أن نتعرض لهذه الأحكام. ولكنا نذكر فقط أمرين:

الأول: أن هذه الأحكام أو التوجيهات كلها، وهي سياسية وعسكرية وعقابية، قد بدأت كلها بتوجيه عقيدي:

"اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا".

إنه رباط آخر من الرباطات المنبثة في السورة أو محطة من محطات التقوية، تبث شحنة جديدة من المشاعر الإيمانية، كلما مضى الإنسان شوطًا مع السورة وشوطًا مع التكاليف، ليتقبل التكاليف بالرضى، وتقوى نفسه على احتمال تبعاتها ما دامت عبادة تؤدي إلى الله. الله الذي لا إله إلا هو، والذي سيجمع الناس إلى يوم القيامة لا ريب فيه، فيجازيهم بما عملوا في الحياة الدنيا.

والثاني: أن هذه الأحكام تشكل ما يمكن تسميته بلغتنا الحاضرة"القانون الدولي الإسلامي". وقد أنشأ الإسلام قانونه الدولي هذا قبل أربعة عشر قرنًا والبشرية لا تعرف إلا شريعة الغاب، وما زالت في الحقيقة لا تعرف إلا شريعة الغاب، وإن كانت تداري أهواءها وشهواتها وعدواناتها تحت شعارات مختلفة وتنظيمات مختلفة آخرها عصبة الأمم التي هلكت وجمعية الأمم المتحدة التي هي حية كميتة، تقوى على الضعيف وتخنع للقوى وتميلها الشهوات فتحكم على الأمر الواحد حكمين مختلفين إن صدر من هنا وإن صدر من هناك!

أما الإسلام فيحترم مواثيقه، ويربي أهله على احترام المواثيق، متفردًا بذلك في كل التاريخ.

ما زال السياق يتحدث في موضوع واحد شامل متصل هو موضوع القتال والجهاد في سبيل الله. ومن ثم تأتي هذه الآيات -بعد مجموعة الأحكام السابقة- تحث على الجهاد:

"لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا".

ومن هذا الحث على الجهاد عامة يتحدث عن نوع خاص من الجهاد كان مطلوبًا يومئذ بالنسبة للظروف القائمة وقتذاك وهو الهجرة من مكة -دار الكفر يومئذ- إلى المدينة دار الإسلام. ولكن المعنى الذي يشتمل عليه هذا التوجيه عام وشامل وغير مقيّد بتلك الظروف الخاصة.

"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا، إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا".

إن القرآن يسميهم"ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ"أولئك الذين يقعدون عن هذا اللون من الجهاد -وهو الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام -وهم قادرون عليه، ويعرضون أنفسهم لأن يفتنوا عن دينهم، وأن يعجزوا عن إقامة هذا الدين في أنفسهم وفي حياتهم، ويتعللون في هذا كله بأنهم مستضعفون لا يملكون شيئًا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت