الصفحة 347 من 379

ويصور النص موقفهم عندما تتوفاهم الملائكة، يستجوبونهم:"فِيمَ كُنتُمْ"ماذا كنتم تعملون؟ فيم قضيتم حياتكم؟ لماذا رضيتم بالفتنة وقعدتم فيها؟ فيعتذرون عن هذا كله بقولهم:"كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ"ويحسبون أنها حجة مقبولة تفتح لهم الطريق وتعطيهم جواز المرور بلا حساب! ولكن الملائكة يوبخونهم:"أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا"ثم يعقب النص ببيان جزائهم يوم القيامة:"فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا".

والسياق كما قلنا يتعرض لحالة كانت قائمة يومئذ، وهي حالة الفتنة في مكة، ووجوب الهجرة إلى أرض الإسلام للقادرين على ذلك، ويتوعد القاعدين هناك بنار جهنم، بعد أن يسميهم"ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ"لأنهم رضوا بالظلم في الدنيا وأوردوا أنفسهم موارد الهلاك في الآخرة.

ولكن القضية في جوهرها أعم من هذا الظرف الخاص. إن الإسلام لا يقبل من أحد على الإطلاق -ما دام قادرًا- أن يرضى بالظلم ويقعد فيه، مدعيًا أنه مستضعف لا يقدر على عمل شيء. إنما يفرض عليه الجهاد لرد هذا الظلم. ونوع الجهاد الذي يشير إليه السياق هو الهجرة إلى دار الإسلام الآمنة المطمئنة التي تقام فيها شريعة الله ومن ثم لا يكون فيها ظلم (والظلم في اعتبار الإسلام هو مخالفة شريعة الله) ولكنه ليس الجهاد الوحيد الذي يخلّص من الظلم. والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول:"لا هجرة بعد الفتح (فتح مكة) ولكن جهاد ونية" [1] والظروف العالمية اليوم، وظروف الأرض الإسلامية بخاصة تختلف كثيرًا عن الحالة الأولى التي استوجبت الهجرة من مكة إلى المدينة، وعن الحالة الثانية التي قال فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم-"لا هجرة بعد الفتح". ولكن لا يختلف الأمر من حيث وجوب مجاهدة الظلم الناشئ من عدم تطبيق شريعة الله، وعدم الرضى به والاعتذار بقوله: كنا مستضعفين في الأرض .. !

إن هذا الدين أبعد شيء عن أن يكون أفيونًا للشعوب! أبعد شيء عن تخدير الناس للرضى بالظلم في الحياة الدنيا وتمنيتهم بنعيم الآخرة إذا هم رضوا بالظلم في هذا الحياة! فإنه يتوعد من يصنع ذلك بما يتوعد به الكفار!

"إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ".

المستضعفين حقيقة، لا الذين يدّعون الاستضعاف وهم قادرون، حرصًا على أمنهم وسلامتهم، أو حرصًا على أموالهم وأهليهم، أو حرصًا على مكانتهم وجاههم.

والنص يعطي صورة دقيقة لأولئك المستضعفين حقيقة:"لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا". فهم يبحثون عن السبيل فلا يجدون، ويبحثون عن الحيلة فلا يستطيعون، وهو وضع نفسي وشعوري يختلف تمامًا عن حالة الاستكانة والرضى، حرصًا على شيء من متاع الأرض.

"فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا".

فهو يعلم حقيقة ما في قلوبهم، ويعلم حقيقة ضعفهم وعدم قدرتهم، فيتفضل عليهم بالعفو ..

ولكن هؤلاء لا ينتهي أمرهم على هذا الوضع. فالجماعة المؤمنة مكلفة باستنقاذهم مما هم فيه، مما لا يقدرون هم على مواجهته. ونرجع إلى الآيات الأولى:

(1) أخرجه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت