الصفحة 348 من 379

"فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا".

وهكذا تتلاقى النصوص من هنا ومن هنا تضع الصورة الصحيحة للأمر كله من جميع نواحيه، وتضع العلاج كذلك للوضع كله من جميع نواحيه.

"وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا".

يستمر السياق ليشجع على الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، بعد أن ندد من قبل بالقاعدين وهم قادرون، فيواجه المخاوف التي تدور في النفس بشأن الهجرة: ألا يجد رزقه ميسرًا في المهجر .. أو أن يدركه الموت في الطريق.

فأما المخافة الأولى فالسياق يبث الطمأنينة بشأنها، فيطمئن المهاجرين في سبيل الله أنهم سيجدون في الأرض سعة وبسطة. والله هو الكفيل، ما دامت الهجرة في سبيل الله.

وأما المخافة الأخرى فإن الله يجزل العطاء فيها:"فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"فهو يغفر له ذنوبه ويأجره أجرًا كاملًا على الرحلة التي قام بها في سبيل الله.

وهكذا تحاط الرحلة المخوفة بكل الضمانات التي تيسرها في النفس، وتجعل الإنسان الذي أخلص قلبه لله يقبل عليها بلا إبطاء ..

وبمناسبة الهجرة -وهذه الرحلة التي تحوطها المخاوف- يأتي حكم صلاة الخوف وبيان الصورة التي تؤدى بها. وهناك خلاف بين الفقهاء في بيان تلك الصورة لا نتعرض له هنا لأنه خارج عن مجالنا، ولكنا نقف عند المعنى الذي يوحي به السياق، وهو الأهمية العظمى للصلاة في حساب الإسلام، حتى إن الخوف من الأعداء وفتنتهم لا يحول دون أداء الصلاة في أوقاتها. إنما تقصر الصلاة فقط لمواجهة الموقف، ويقسّم المؤمنون أنفسهم قسمين: أحدهما يصلي ويقف الآخر مستعدًا بسلاحه للحراسة، ثم يتبادل الفريقان أماكنهما حتى تتم الصلاة. ولكن شيئًا على الإطلاق لا يحول دون الصلاة في صورة من صور أدائها التي فصلتها السنة النبوية.

ثم يجيء التوجيه بعد بيان حكم هذه الصلاة، صلاة الخوف:

"فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَانَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا".

إن الصلاة هي الصلة بين القلب البشري وبين الله، فلا يكون الخوف المحيط بالإنسان مانعًا لأدائها! فإنما يحتاج الإنسان في لحظة الخوف إلى ذكر الله:"أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" [1] . ومن هنا يجيء النص على ذكر الله بعد قضاء الصلاة، امتدادًا لتلك الصلة الروحية التي تصل ما بين العبد وربه في أحرج الأوقات.

وأخيرًا يجيء التعقيب الذي يلخص الموقف كله تلخيصًا دقيقًا بشأن المؤمنين وأعدائهم:

"وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا".

(1) سورة الرعد: 28

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت