الصفحة 349 من 379

لقد بدأ الحديث عن القتال منذ قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا"وظل السياق متصلًا في موضع القتال فشمل دعوة المؤمنين الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة إلى القتال في سبيل الله ولاستنقاذ المستضعفين من المؤمنين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، ويدعون ربهم أن يجعل لهم من لدنه وليًا ونصيرًا، وشمل مواقف الفئات الزائغة كلها التي تخذّل نفسها أو غيرها عن القتال في داخل المجتمع المسلم، ثم مواقف الفئات الأخرى خارج المجتمع المسلم مع تحديد موقف المسلمين من كل منها، وشمل حكم القتل الخطأ والقتل العمد، ثم بيان فضل المجاهدين على القاعدين، وبيان وضع الذين يرضون بالقعود في دار الكفر حرصًا على مصالحهم على القاعدين، وبيان وضع الذين يرضون بالقعود في دار الكفر حرصًا على مصالحهم الأرضية حتى تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، ومأواهم جهنم وساءت مصيرًا، والترغيب في الهجرة، وبيان حكم صلاة الخوف .. كل هذا في سياق متصل تُسْلِم كل نقطة منه للأخرى.

والآن يختتم هذا السياق المتصل بهذه الآية الدقيقة التي تلخص الموقف كله.

"وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ ..".

إنها الدعوة للقتال الدائم حتى يُكَفّ بأس الكافرين ويُدْفَع أذاهم عن الإسلام والمسلمين وهي دعوة للأجيال جميعًا وإن كان الحديث في الآية كان موجهًا للمقاتلين يومئذ من المسلمين في ذلك الجيل. ولأن الله يعلم أنه جهاد طويل لا يُكَفّ، فقد حثهم بهذه العبارة:"وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ .."وهي عبارة موحية بطول الطرريق، وتعرض الناس فيه للوهن ما لم يشدوا على عزائمهم، ويتذكروا الهدف من القتال كله، ويتذكروا كذلك وضع كل من الفريقين فيه. لذلك يقول لهم:

"وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ ..".

بهذا الحسم والوضوح في التعبير يتلخص الموقف كله.

الشوط طويل يحتاج إلى العزيمة، والناس فيه عرضة لآلام يتحملونها وتضحيات ثمينة يتكبدونها. نعم، ولكن الفريق الآخر -فريق الكفار- يتألم كذلك كما يتألم المؤمنون. فليست الآلام والتضحيات وقفًا على المؤمنين وحدهم. ولا شك أنه مما يشجعك على القتال أن تعلم أنك قد أحدثت في عدوك جراحًا وخسائر في الأموال والأرواح، وأنك لست وحدك الذي تتألم، بل إنك تؤلم عدوّك في ذات الوقت.

ثم يجيء الفارق الأعظم: أنتم تتألمون وعدوكم يتألم، ولكن شتان بين ألم وألم. وهذا ألم ذاهب إلى الجنة، حيث تغسل الجراحات ويمسح الألم ويزول العذاب، ويعوض عن ذلك كله بنعيم خالد شهي شفيف جميل لا ينضب ولا ينتهي ولا يزول. وذلك ألم ذاهب إلى جهنم! ليزدادوا عذابًا فوق العذاب، وليبقوا هناك:"لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا" [1] فما أبعد الشقة بين هذين الفريقين المتقابلين المتلاحمين في القتال!

وإذ ينتهي بهذا التعقيب حديث القتال فإن الحديث عن المنافقين لما يصل إلى نهايته بعد!

(1) سورة فاطر: 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت