لقد كان الحديث عن القتال واردًا في الحقيقة في داخل إطار الحديث عن المنافقين! ولقد بدأت الإشارة إليهم في قوله تعالى:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا" [آية 60] وجاء الحديث عن القتال في داخل ذلك الإطار [آية 71] :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا"حتى جاء التعقيب الأخير بشأن القتال [آية 104] :"وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ". ثم يعود السياق إلى قصة من قصص المنافقين ذات دلالة خاصة بالنسبة للإسلام وللمسلمين ولمنهج التربية الإسلامية وللجاهليات كلها خلال التاريخ:
"إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا، هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا، وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا، وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا".
تقول القصة إن نفرًا من الأنصار غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فسرقت لأحدهم درع فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهم السارق (في رواية أنه طعمة بن أبيرق، وفي رواية أخرى أنه يشير بن أبيرق، وهو منافق كان يقول الشعر في ذم الصحابة وينسبه إلى غيره!) فلما رأى السارق ذلك عمد إلى الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي يسمى زيد ابن السمين ووجّه قومه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله، إن صاحبنا بريء، وإن الذي سرق الدرع فلان (اليهودي) فاعذر صاحبنا على رءوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك. فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدرع وجدت في بيت اليهودي قام فبرأ ابن أبيرق وعذره على رءوس الناس، فنزلت هذه الآيات ...
إنها حادثة فذة في تاريخ البشرية، وليست حادثًا عارضًا يُنْسى!
لقد كان اليهود -وما زالوا- على موقفهم المعروف من الإسلام، لا يتركون فرصة واحدة تمر دون إيذاء للإسلام والمسلمين.