ولقد كانوا في المدينة قد فعلوا كل ما في وسعهم للحيلولة دون قيام هذا الدين وتمكّنه في الأرض.
حاولوا قتل الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين: مرة بإلقاء الحجر عليه (لولا أن الوحي أخبره فترك المكان من قبل) ومرة بدس السم له في ذراع الشاة.
وحاولوا التشكيك في صدق الوحي المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم.
وحاولوا التشكيك في أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه وأمانته وعدله.
وحاولا تفريق صفوف المسلمين، وإشاعة البغضاء بينهم كما حدث يوم أصاروا الأوس والخزرج بعضهم على بعض.
ونشروا الأراجيف بمختلف أنواعها لخلخلة الصف المسلم وزلزلته.
وتحالفوا مع المنافقين وتآمروا معهم على محاولة القضاء على الإسلام.
وتحالفوا مع المشركين، واستعدوهم لقتال المسلمين.
وارتكبوا كل خيانة ممكنة، وأبدوا كل ضغينة وبغضاء ..
ثم .. ؟
ثم تتنزل هذه الآيات التسع [105 - 113] لتبرئة واحد من هؤلاء اليهود اتهم ظلمًا بسرقة درع لواحد من المسلمين!
يا لله إنه الإسلام! الإسلام وحده في تاريخ البشرية كله ..
وغير الإسلام لم يكن ضميره ليتحرك لتبرئة متهم ينتمي إلى قوم بينه وبينهم كل ذلك العداء ..
ولقد شهدنا في الجاهلية المعاصرة -وهي التي تزعم أنها قمة التاريخ البشري في تمثل معاني العدل والإخاء والمساواة! - كيف تنحاز المحاكم كلها والقضاة كلهم حين تكون القضية المعروضة خصومة بين واحد من المسلمين وواحد من غير المسلمين! يستوي في ذلك المحاكم الخاصة والمحاكم العامة وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن! هذا كله والإسلام لا يعتدي، ولكنه دائمًا معتدى عليه، والمسلمون اليوم هم المطاردون المشردون الذين تسلب أموالهم وأراضيهم وتزهق دماؤهم بلا حساب، فكيف لو كان المسلمون يكيدون وكيف لو كانوا يعتدون ويتآمرون؟!
ألا إنها القمة السامقة التي لا يقيمها ابتداء إلا الإسلام، ولا يرقاها إلا المسلمون في كل التاريخ!
لقد كانت كل الظروف"مشجعة"على اتهام ذلك اليهودي وتبرئة ذلك المنافق الذي ينتمي ولو شكلًا إلى الإسلام!
فالعداوة بين المسلمين واليهود قائمة في المدينة.
وكيد اليهود للمسلمين قائم واضح للعيان، ويمكن أن يكون جزءًا من هذا الكيد سرقة آلة من آلات الحرب من واحد من المسلمين!
وتوجيه التهمة لواحد من المسلمين (وإن كان منافقًا) يضرّ بسمعة المسلمين كلهم وهم في هذه الحرب الضارية، في الخارج مع قريش وحلفائها، وفي الداخل مع اليهود والمنافقين، ويمكن أن يستغله الأعداء في التجريح والتشويه.
لذلك فإن أي أحد غير الإسلام والمسلمين كان قمينا أن يصدّق على الدعوى حتى لو ثبت العكس، ويمضي في تجاهل الأمر، وإلصاق التهمة باليهودي، والتستر على الفاعل الأصلي.
ولكنه يومئذ لن يكون هو الإسلام، ولن يكونوا هم المسلمين!
فما جاء الإسلام ليتستر على انحرافات البشرية أو يتسامح مع شيء منها! وما جاء ليجاري الجاهليات فيما تقع فيه من انحراف!
لقد جاء لينشئ"الإنسان الصالح"في الأرض.
الإنسان الذي يمارس بشريته كاملة على الأرض، ولكن في أفقها الأعلى الذي يحقق للفطرة السوية كيانها الكامل"فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ".
"لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا الصَّالِحَاتِ .." [1] .
جاء لينشئ الصورة الصحيحة للبشرية كما ينبغي أن تكون، في واقعية مثالية، تأخذ الكائن البشري كما هو، وترفعه إلى أعلى ما يطيق، بغير عسر ولا مشقة، خطوة خطوة حتى يرتقي القمة السامقة، ويشرف على البشرية من هناك، ليهديها إلى الطريق:
(1) سورة التين: 4 - 6.