"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا .." [1] والاستمرار في اتهام اليهودي الفرد -رغم كل الظروف الموانية والمشجعة على اتهامه -كان يحدث ثغرة في هذا البناء الشاهق الذي ينشئه الإسلام، لا للمسلمين وحدهم، ولكن لكل البشرية.
وفي سبيل تبرئة ذلك البناء الشاهق من تلك الثغرة، نزلت هذه الآيات التسع تبرئ ذلك اليهودي البريء من هذه التهمة، وإن كان ينتمي إلى قوم لا يعرفون البراءة ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، ويتقربون إلى الله -في زعمهم! - بسفك دماء المسلمين ووضعها في عجينة"مقدسة"يتبركون بأكلها في عيد الفصح!!
إنها ليست حادثًا عارضًا يمر فيُنْسى ..
إنها درس هائل في التربية على الأفق الأعلى، لا يقدمه إلا الإسلام، ولا يقدر عليه إلا المسلمون.
ودرس في التطبيق العملي للعدل الرباني، الذي لم تعرفه أمة في التاريخ، إلا الأمة التي رباها القرآن.
ولقد كفر ذلك المنافق الذي كشفته هذه الآيات التسع، وانضم إلى المشركين! وما كان الإسلام ليتألف قلبه لأنه يحمل اسمًا مسلمًا، عل حساب العدل الرباني الذي يريد إقامته في الأرض نبراسًا لكل البشرية. وإنما نزلت فيه هاتان الآيتان:
"وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا، إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا".
لقد ذهب ابن أبيرق مع الشيطان .. وبقي ذلك المثل الفذ درسًا وعاه المسلمون وحفظوه، لتتعلمه البشرية منهم يوم تفيء إلى رشدها وتحب أن تعرف الطريق!
ومن هذا الذي ارتد إلى الشرك يلتفت السياق إلى المشركين وما كانوا -يومئذ- يعبدون:
"إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا، لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا، وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا، يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا، أُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا".
لقد تغيرت ولا شك بعض مظاهر العبادة، فلم يعد هناك تلك"الإناث"التي كان العرب في شركهم يعبدونها. ولكن عبادة الشيطان ذاتها لم تتغير. وحلت محل"الإناث"القديمة أوثان أخرى: الدولة، والزعيم، والذهب، والحزب، والعلم، والتقدم، والإنتاج، والحضارة، والتطور، والمجتمع، والوطن، والقومية، والعالمية، والإنسانية، والعقلانية، و"المودة"، والجنس، والحرية الشخصية ...
عشرات من"الإناث"الجديدة غير تلك الإناث الساذجة البسيطة التي كان يعبدها العرب في الجاهلية، تُضْفى عليها القداسات الزائفة، وتعبد من دون الله، ويطاع أمرها في مخالفة امر الله، وفي تغيير خلق الله ...
ما تغيرت إلا مظاهر العبادة ..
"تطورت"! ...
ولكن الجوهر لم يتغير .. إنه عبادة الشيطان.
ويلفت نظرنا في الآية تلك الخطوات المتتابعة التي يستحوذ بها الشيطان على عبادة:
"وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ ..".
(1) سورة البقرة 143.