هذا التتابع الدقيق الذي تصوره الآية لا يُذكر اعتباطًا. إنه يصور الخطوات المتدرجة التي يتم بها فساد البشرية على أيدي الشيطان ..
فالمرحلة الأولى هي الإضلال، بمعنى الإبعاد عن الطريق المستقيم، وبمعنى التعمية على السالكين. فهكذا يصنع شياطين الجن والإنس مع البشرية. يبعدونها عن الطريق المستقيم، طريق الله، مع التعمية عليها في مبدأ الأمر وإيهامها أنها ما زالت تسلك الطريق الصحيح! فإذا بعدوا بالفعل تجيء التمنية بأن الطريق الجديد أشهى ثمرة وأروح وأجمل وأحسن عاقبة من طريق الله! فإذا فعلت التمنية فعلها وأسرع"الحمير" [1] في الجري يركبهم الشيطان، فقد ملك أمرهم إذن وتمكن .. وهنا تجيء مرحلة الأمر من الشيطان والإذعان من الدابة التي يركبها الشيطان! ثلاث مراحل متتابعة تكتمل بعدها العبادة، ويستشري بعدها الفساد.
"يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا".
وهل هو إلا الغرور ذلك الذي وقعت فيه الجاهلية المعاصرة حتى هنا في الدنيا قبل أن تصل إلى مصيرها في الآخرة؟!
هذا القلق والضياع والحيرة والاضطراب والجنون والانتحار والشذوذ والخمر والمخدرات و ...
هل هو شيء غير هذا الغرور الذي أوقعهم فيه معبودهم الذي عبدوه من دون الله، وتبجحوا بعبادته وتحدّوا به الله!
"أُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا".
وفي المقابل الكامل لذلك نجد المؤمنين عباد الله:
"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلًا".
فالجنات مقابل حهنم. والخلود هنا مقابل الخلود هناك. وهنا وعد الله وهناك وعد الشيطان. هنا وعد الصدق، وهناك وعد الغرور.
وإن الله في وعده الصادق هذا لا يحابي أحدًا من خلقه. إنه يجزي به المؤمنين حقًا. والإيمان ليس بالتمني:
"لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا".
ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل .. وهذا الجزاء الضخم الذي يعده الله لعباده، وهو نعيم الجنة ورضوانها، لا يمنحه الله لأيّ كان لمجرد أن"يتمنى"وهو قاعد عن العمل، وأمنيته في اتجاه وعمله وسلوكه في اتجاه آخر!
إن هذا الدين جاد. وهو دين ممارسة عملية في واقع الأرض، لا دين شعارات ترفع في الهواء.
ولقد مر بنا الدرس في الآيات الأخيرة من سورة آل عمران:"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ"التي جاء في ختامها:"فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ..."وهنا يعود الدرس ليلقن للمسلمين من جديد.
إنه بغير التطبيق العملي لا يقوم"واقع"لهذا الدين.
(1) يقول التلمود لليهود: إن الأمميين هم"الحمير"الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار!!