الصفحة 354 من 379

ولن يقوم هذا الواقع بالتمني. فالتمني -وحده- لا ينشئ شيئًا على الإطلاق. ولقد أنشأ المسلمون الأوائل ذلك الواقع الضخم الذي أنشأوه بالتطبيق العملي لمبادئ هذا الدين وقيمته وأوامره وتعليماته وشرائعه وتوجيهاته. ثم لما حوّل المسلمون دينهم إلى التمني، صاروا إلى ذلك الغثاء الذي تحدث عنه الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان. ولن يعودوا إلى وضعهم ومكانتهم التي خلقهم الله من أجلها حتى يكفوا عن ممارسة الإسلام بالتمني ويعودوا إلى ممارسته في الواقع الملموس.

والجزاء في الآخرة حاسم صريح:"مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا".

إنما يجد الجزاء الحسن من يعمل الصالحات وهو مؤمن .. وذلك هو"الدين".

"وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا".

فإنما هو التسليم الكامل لله واتباع ملة إبراهيم، وهي هي ملة محمد صلى الله عليه وسلم، إنما يردد القرآن ذكر الصلة بين دين محمد -صلى الله عليه وسلم- ودين إبراهيم لأن مشركي قريش من ناحية وأهل الكتاب من يهود ونصارى من ناحية أخرى كلهم يدّعون أنهم على دين إبراهيم! فكأن القرآن يقول لهم: من كان على ملة إبراهيم فليدخل في دين محمد -صلى الله عليه وسلم-.

والتعقيب الأخير أن الله له ما في السماوات وما في الأرض وهو محيط بكل شيء، فهو محيط بما يفعله المشركون وما يفعله أهل الكتاب.

ينتقل السياق نقلة تبدو لنا مفاجئة، فيعود إلى موضوع من الموضوعات الرئيسية في السورة: موضوع النساء وعلاقات الأسرة.

"وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء ..".

فيذكر يتامى النساء اللواتي تحدث عنهن في الآية الثانية من أول السورة. وعن نشور الزوج وطريق الإصلاح ..

وما بنا أن نتعرض للموضوع في مجالنا هذا. ولكنا نقول فقط إن النقلة ليست مفاجئة تمامًا كما تبدو لنا لأول وهلة. فقد سبق قبلها:"وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ"ومن إسلام الوجه، والتسليم لله في كل أمر جاء هذا الاستفتاء من المسلمين للرسول -صلى الله عليه وسلم-. فقد توقفوا عن المضي في أي شأن من شئونهم حتى يسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن أوامر الله لهم في هذا الشأن، وكيف يريدهم الله سبحانه وتعالى أن يتصرفوا فيه. فهذا الاستفتاء قبل التصرف في الأمر هو التطبيق العملي لإسلام الوجه لله الذي ذكر في الآية السابقة القريبة. ومن ثم فلا انفصال ولا انقطاع في السياق. وذلك فضلًا عن الملاحظة التي أشرنا إليها من قبل، وهي أن هذا الدين كله وحدة، وكله سواء: العقيدة والشعيرة والشريعة والتوجيه ..

والحديث في أمر النشوز وطرق الإصلاح تتكرر فيه الإشارة إلى أن التقوى أكثر من مرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت