"وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا، وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللّهَ ...".
وفي تلك الأمور الدقيقة التي تمس ما بين الزوجين فإن التقوى هي الضمان الأول للعدل والإحسان المطلوبين في الموقف، ثم تجيء الأمور كلها بعد ذلك. ولذلك يشدد السياق في الأمور بالتقوى، ويصل الأمر إلى حد التهديد:
".. وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا، وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا، إِن يَشَا يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَاتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا".
ويجيء التعقيب الأخير يبين ما يحدو الناس إلى عدم التقوى، وهو الرغبة في متاع الدنيا، ويبين العلاج:
"مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا".
فلا يجرمنكم ثواب الدنيا ألا تتقوا! ذلك أن التقوى تضمن لكم ثواب الدنيا والآخرة معًا. والله سميع بصير يراقب أعمالهم ويجزيكم عليها.
نحن الآن في أواخر السورة، وهذا الجزء الأخير منها يتناول بالحديث أهل الكتاب بشقّيهم: اليهود والنصارى، والمنافقين بشقيهم: من ادعى الإسلام من اليهود ومن ادعى الإسلام من العرب، ويتناولهم بما يشبه الإنذار لهم، والمفاصلة معهم. ولذلك نجد نغمة الحديث بصفة عامة أشد مما ورد في السورة من قبل بشأن هذه الطوائف جميعًا.
وعلى أبواب هذا الحديث عن تلك الطوائف التي لا تؤمن بلا إله إلا الله نجد آيتين ذواتي دلالة خاصة موجهتين إلى الأمة المسلمة:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا".
إن الآيتين معًا، ثم كلاًّ منهما على حدة، تُعِدّ هذه الأمة إعدادًا خاصًا للمهمة الكبرى التي نيطت بها:
"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ" [1] .
"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" [2] .
(1) سورة آل عمران: 110.
(2) سورة البقرة: 143.