إنها أمة متميزة. والقرآن في توجيهاته كلها يؤكد هذا التميز ويؤكد عليه. فهو يقرره على أنه حقيقة واقعة:"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ"وهو كذلك يوجّه إليها توجيهًا دائمًا ليتعمق معناه في حس الأمة المسلمة ولتقوم بتكاليفه بالفعل. فهو ليس تميزًا أجوف. ليس شعارًا يرفع. وليس مجرد أمانيّ تجول في الخاطر:"لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ .."إنما هو واقع محدد السمات. له تكاليف في النفس والمال. في المشاعر والسلوك. في تكوين الفرد وتكوين المجتمع .. في كل اتجاه.
وهو ليس كذلك تميزًا عنصريًا متلبسًا بالدين كالذي يدعيه بنو إسرائيل، ليستعبدوا به الأمم ويتخذوها دواب يركبونها كما يقول لهم التلمود. ولا تميزًا عنصريًا قوميًا كالذي كانت تدعيه ألمانيا النازية لتستعبد به شعوب الأرض ..
كلا! إنه تميز خالص بالعقيدة، وبالتطبيق الواقعي لهذه العقيدة وتحمل تكاليفها وتباعاتها، تميز مفتوح، يدخل فيه كل من أراد الدخول من شعوب الأرض وأجناسها وألوانها ولغاتها وعناصرها وقومياتها، لا يجدون حاجزًا يحول دونهم، ويصبحون جميعًا مسلمين، ويتوجه إليهم ذات النداء:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ..".
وذلك نسق غير مكرر في التاريخ البشري كله هي التي استوعبت الأجناس واللغات والألوان على مستوى واحد وبلا حواجز، وأطلقت عليهم جميعًا لقبًا واحدًا:"مسلمين"."لا فضل لعربي على أعجمي ... إلا بالتقوى" [1] .
وكل التجمعات البشرية الأخرى في التاريخ، قديمه وحديثه سواء، لم تكوّن"أمة"بهذا المعنى، لا فرق في ذلك بين التجمع الروماني الشهير، والتجمع البريطاني في الكومنولث، والتجمع الروسي في الاتحاد السوفيتي، والتجمع الأمريكي في الولايات المتحدة، أو غيرها من التجمعات التي عرفتها البشرية .. كلها فشلت في تحقيق معنى"الأمة"لسبب واحد رئيسي، أنها لم تقم على العقيدة في الله، الذي يستوي في العبودية له الحاكم والمحكوم، والبلد الفاتح والبلد المفتوح، ويصبحون كلهم -بمجرد إسلامهم- إخوة في الله. وإخوة في لدين، حتى وإن كانوا من قبل من الأعداء المحاربين:
"كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين، كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَابَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُون، اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ، فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" [2] .
إنها أمة العقيدة، لا أمة الجنس ولا اللون ولا الأرض ولا القوم .. العقيدة الخالصة في الله الواحد، المطبقة في واقع الأرض. وكان القرآن كما قلنا هو كتاب التربية لهذه الأمة. هو الذي أنشأها ابتداء، وهو الذي رباها ووجهها.
وهاتان الآيتان في الجزء الأخير من السورة هما جانب من هذه التربية وهذا التوجيه:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ..."
إنه الإعداد على الأفق الأعلى لتقوم هذه الأمة بمهمتها ..
فمن مهمتها إقامة العدل الرباني في الأرض. لها ولكل البشرية.
(1) أخرجه أحمد في مسنده.
(2) سورة التوبة: 7 - 11.