وإقامة العدل الرباني في الأرض تحتاج إلى تربية خاصة وإعداد خاص. فالبشر -إن لم يقوّموا- عرضة دائمًا للميل مع الأهواء. والتجرد للحق، الحق الذي لا تُميل ميزانه قرابة ولا مودة ولا مصلحة، ولا بغض ولا حسد ولا نزاع، هو قمة التكوين البشري في أعلى آفاقه، ولكنه لا يجيء اعتباطًا بغير التربية والإعداد والتوجيه.
والذي صنعه الإسلام مع الجيل الأول لم يكن"وعظًا وإرشادًا"بالمعنى المتداول اليوم في الخطب والأحاديث الدينية. إنما كان تعهدًا وتربية. ولقد كان الدرس المتعلق باليهودي الذي نزلت الآيات لتبرئته من تهمة ظالمة، نموذجًا واقعيًا لذلك اللون من التعهد والتربية الذي أنشأ هذه الأمة وأعدها لمهمتها.
وهذه الآية هي استمرار لذات التوجيه:
"كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ".
فما تصلح هذه الأمة لمهمتها الكبرى وهي زيادة البشرية وقيادتها إلى طريق الخير بغير هذه الصفة تميز سلوكها وتعاملها: أن تكون قوامة بالقسط، شاهدة لله، لا لمصلحة ولا لهوى ولا لانتهاز فرصة.
والتعبير يستخدم ما يسمى في البلاغة صيغة المبالغة [1] :"قوامين"أي شديدي القيام أو كثيري القيام. وللتعبير دلالته ولا شك. فليس المطلوب أن تقوم هذه الأمة بالقسط مرة أو مرات متناثرة! إنما تظل تقوم به حتى يصبح ذلك عادة لها لصيقة بها، وجزءا من بنيتها لا ينفصل عنها.
ولما كان الإنسان عرضة لأن تنفصل عنه هذه الصفة -ولو تربى عليها فترة من الوقت- حين يوجد جذب شديد من أحد الجوانب، فقد جاءت في الآية تقويات لهذا الرباط وتحذيرات من انفصاله.
"شُهَدَاء لِلّهِ".
فهذا تذكير بأن الأمر كله يتم لله، لا للمصالح والمنافع، ولا رئاء الناس، ولا رئاء النفس أيضًا! فقد يكون الدافع إلى العدل حب الثناء من الناس، أو حب الثناء من النفس! أي الشعور بالبطولة أو بالتميز للقيام بعمل معين! وكذلك -فضلًا عن انحرافه العقيدي والنفسي- عرضة لأن يذهب به أي تحول يحدث من النفس أو الناس! ولكن المطلوب في التوجيه الصحيح أن يكون هذا الأمر لله وحده. وبذلك يستقيم الأمر عقيديًا ونفسيًا في آن واحد.
"وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ..".
فهذا تحذير من أشد مناطق الجذب التي يتعرض لها الإنسان فيصبح عرضة لأن تنفصل عنه حاسة العدل إن لم تكن وثيقة الرباط بالنفس.
ثم تحذير مما نسميه في لغتنا الحاضرة"الانتهازية"أو"الوصولية"أي ممالأة ذوي السلطان أو الجاه والنفوذ للحصول على مصلحة منهم!
"إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا".
فلا الغنى ولا الفقر له دخل بميزان العدل! ولا يتغير انضباط الميزان بتغير الموزون له!
تحذير شبيه بذلك التحذير في سورة النحل:"وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" [2] .
"فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا".
(1) لي تحفظ على هذه التسمية لا فيما يتعلق بالقرآن فقط بل في الكلام العادي أيضًا، فالمقصود بها عادة شدة القيام بالفعل وليس المبالغة فيه. والمبالغة توحي بتجاوز القصد، وليس هذا قصد المتكلم في أغلب الأحوال!
(2) سورة النحل: 92.