فالهوى -بشتى أنواعه وصوره- هو الذي يحيد بالناس عن العدل، والآية تنبه المؤمنين إلى نقطة الضعف هذه في الكيان البشري ليلتفتوا إليها ويقوّوها، لكي لا يَقْوَوْا على حمل الأمانة، وهي تبعة ثقيلة فزعت منها السماوات والأرض والجبال وحملها الإنسان.
وهذا التوجيه الذي توجّه به الأمة المسلمة يذكرنا بما وجِّه به نبي الله داود:"يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ" [1] .
ثم يستمر السياق يحذرهم بنغمة ترتفع إلى درجة الإنذار!
"وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا".
وهكذا تعد الأمة المسلمة للقيام بحمل الأمة لا لنفسها فحسب، بل للبشرية كافة. تحمل ميزان العدل الرباني وتطبقه في واقع الأرض بصورة لا مثيل لها في التاريخ.
تطبقه فتبرئ ذلك اليهودي الذي سرق الدرع برغم كل الخصومة والعداوة التي تشنها يهود.
وتطبقه على ابن عمرو بن العاص حين فاز عليه شاب قبطي في سباق الخيل فضربه بالعصا وقال له: خذها وأنا ابن الأكرمين، فيشكو والد الشاب القبطي إلى عمر بن الخطاب في المدينة، فيعطي عمر العصا لوالد الشاب ويقول له: اضرب ابن الأكرمين! ويلتفت إلى عمرو فيقول له: يا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا!
وتطبقه حين يجد عليّ كرم الله وجهه درعه المفقودة عند يهودي فلا ينتزعها منه بسلطة الخلافة وهو يعلم يقينًا أنها درعه، إنما يشكوه لقاضيه شريح، حتى إذا أنكر اليهودي يلتفت القاضي لأمير المؤمنين ويقول له: يا أمير المؤمنين هل من بينة؟! فيبتسم عليّ كرم الله وجهه ويقول: صدق شريح! مالي بينة!! فيقضي شريح بالدرع لليهودي!
وتطبقه مئات المرات وآلافها على مدار القرون، على نحو لم تعرفه البشرية قط، ولا تستطيع أن تعرفه حتى تعرف الله، وتتربى على أخلاق لا إله إلا الله، فتكون قوامة بالقسط، شهيدة لله!
وتجيء الآية الثانية استمرارًا لهذه التهيئة التي تُهيأ لها الأمة الفريدة في التاريخ:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ..".
إن محور الارتكاز كله في قيام هذه الأمة بمهمتها هو الإيمان بالله. ومن ثم يؤكد عليه النص تأكيدًا:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا ...".
والتوكيد يلفت النظر ولا شك. فهؤلاء الذين يطلب إليهم أن يؤمنوا هم مؤمنون بالفعل بنص النداء الذي يوجه إليهم! ولو كان الكلام: يا أيها الذين كفروا آمنوا .. أو يا أهل الكتاب آمنوا، لما كان في التعبير ما يلفت النظر، فهم قوم غير مؤمنين يدعون إلى الإيمان، أما أن يدعى المؤمنون بالفعل ليؤمنوا فشيء يلفت النظر بكل تأكيد!
إن المطلوب بلا شك ليس تحصيل حاصل لما هو كائن بالفعل. إنما المطلوب هو التمسك بهذا الإيمان القائم في النفوس، والاستزادة منه، والعمل على تنميته على الدوام لكي لا ينقص ولا يتأرجح.
ثم إن هناك تفصيلًا لقواعد الإيمان وأركانه، مقصودًا هنا بالذات، في إعلان المفاصلة بين هذه الأمة وغيرها من الأمم:
".. آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ .."
(1) سورة ص [26] .