فليس المطلوب إيمانًا مبهمًا بالله .. فالوثني والمشرك يؤمنون بوجود الله. وقد كان العرب في جاهليتهم وثنيين ومشركين، وكانوا مع ذلك يعرفون أن الله موجود، ويسمونه رب الأرباب، ويقسمون به فيقولون: ورب الكعبة! ويعرفون أنه خالقهم وخالق السماوات والأرض، ومدبر الأمر في السماوات والأرض!
"وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" [1] .
"وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" [2] .
"قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ" [3] .
ومع ذلك فقد كانوا كفارًا كما وصفهم الله عز وجل صاحب الأمر في السماوات والأرض ومعطي الأشياء أسماءها الحق. إنما الإيمان المطلوب ينبغي أن يكون كما حدده الله: الإيمان بالله، وبالرسول صلى الله عليه وسلم، وبالكتاب الذي نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم حاويًا كل مقتضيات الإيمان وشروطه. والكتاب الذي أنزل من قبل على الرسل السابقين. ويشرح الأمر في تفصيل أدق في الجزء الأخير من الآية:
".. وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا".
وهذه الأركان المذكورة في الجزء الأخير من الآية ليست شيئًا آخر مغايرًا لما ورد في صدر الآية بوصفه متطلبات الإيمان، إنما هي تفصيل لما جاء في"الكتاب الذي نزّل على رسوله"، فهذا كله وارد فيه.
وبذلك يتحدد الإيمان على وجه الدقة، ولا يتميع حتى يدخل فيه الوثني والمشرك وكل من هبّ ودبّ بحجة أنه يعرف الله في قلبه، ويتعبده بصورة من صور التعبد!
إنه الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين (والقدر خير وشره كما جاء في حديث:"هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم" [4] وهو ما ورد تفصيله في"الكتاب الذي نزل على رسوله") .
والإيمان بالله معناه عبادته، ومعناه طاعته، ومعناه تحكيم شريعة كما جاء في سياق السورة ..
فالآية إذن تحدد على وجه الدقة معنى الإيمان المطلوب من البشر ليتصفوا بصفة الإيمان، في ذات الوقت الذي تشكل فيه رباطًا من تلك الرباطات الإيمانية المنبثة في ثنايا السورة، ومحطة تقوية تعطي شحنة جديدة من الإيمان تعين على احتمال التكاليف. وهي كذلك إيذان بالمفاصلة مع الفئات الزائغة عن الإيمان، يمهّد له بالجزاء الأخير من الآية:
".. وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا". ومن هنا تشتد النغمة تقريبًا حتى آخر السورة:
"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا، بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ..".
حتى ينتهي السياق بشأنهم عند قوله تعالى:"إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا"
ونقف وقفات سريعة عند بعض هذه الآيات:
(1) سورة لقمان: 25.
(2) سورة الزخرف: 87.
(3) سورة المؤمنون: 88 - 89.
(4) رواه الشيخان"قال وما الإيمان؟: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره."